الرئيسية / home slide / من أيام الريادة الثقافية لفرنسا

من أيام الريادة الثقافية لفرنسا

 حسن داوود
القدس العربي
07012021

رغم أن «لغتي الثانية» حسب توصيف كان شائعا بين الطلاب، لم تكن الفرنسية، إلا أنني ما زلت أذكر كيف كان البرنامج الثقافي «أبوستروف» لبرنار بيفو حاضرا بين طلاب الجامعة، بل ما زلت أتذكّر مشاهد من الحوارات التي كان يعقدها بيفو مع كتّاب العالم الكبار، الأكثر شهرة وتكريسا في العالم.
أشاهد من دون أن أفهم، لكن ذلك في حدّ ذاته كان تطلّبا لمهتمّ بالثقافة. وها هو صاحب البرنامج الثقافي التلفزيوني، الأشهر عالميا في زمنه، يعدّد البلدان التي كان يُشاهَد فيها برنامجه، أو يُستنسخ، فيقول إن «لبنان كان البلد الذي استُقبل فيه البرنامج بأكبر قدر من الحماسة» وذلك «لأسباب يمكنك أن تتخيّلها» حسب ما قال لمحاوره بيير نورا.
في الكتاب القريب من أن يكون سيرة مهنية لبيفو، يعيد محاورُه بيير نورا تذكيرَنا بأمور لم نتساءل حولها في تلك الأيام. من هذه مثلا وصفه للجلسة التي يجمع فيها الكتّاب، «حول طاولة منخفضة» من أجل أن يكون الحوار أكثر حميمية ويترك للكاتب أن يحضر بشخصه، وليس فقط بما يمكن أن يقوله عن أدبه. وقد أدى ذلك ببيفو، طالما أن الحلقات تبثّ مباشرة، من دون تسجيل مسبق، إلى إحراجات عديدة. كان الأشهر بينها ما حصل أثناء محاورته لتشارلز بوكوفسكي، الذي بدل أن يكتفي بكأس النبيذ الذي يقدّم عادة للمشاركين، تجرّع ثلاث زجاجات كاملة، وأخذ من بعدها يتجشّأ ويهمّ بالتقيؤ، ويطلق الكلام على عواهنه، ما انتهى به إلى أن حمله مسعفون إلى خارج الاستديو.
سيرة بيفو هذه تدور على ما حول برنامجه، ما يتعلّق بتأسيسه وتاريخه والشخصيات التي قدّمها، وإعداد الحلقات التي نافت عن السبعمئة حلقة، في الخمسة عشر عاما التي استغرقها. ولنضف إلى ذلك التجاوزات التي سمح بحصولها بعد اشتراط المشتركين (بينهم جيسكار ديستان وهنري كيسنجر وآخرون) كما يروي عن تأثّره ببعض من قابلهم مثل جين فوندا، التي يكاد يعترف بالوقوع في أسر فتنتها «من النظرة الأولى. أما الكبيران اللذان يخصّهما بمديحه الفائض فهما الكسندر سولجينستين «شعرت أن عودي ما زال طريا بعض الشيء لاستضافة مؤلف كتاب «أرخبيل الغولاغ» والناجي من الآفات الثلاث للقرن العشرين، الحرب والسرطان ومخيمات الاعتقال» وفلاديمير نابوكوف المغامر الجذاب الواسع الثقافة و«الرباعي اللغة» كما يقول عن الأخير حيث، هو الروسي، كان يتكلّم الفرنسية بما يتعدى معرفة أهلها بها.
«أجل، أنا مترجم فضول المشاهدين» قال موافقا على صيغة محاورِهبيير نورا للتعريف بعمله في الثقافة. «أنا لست كاتبا، وآسف لأنني لست كذلك. لكن هذا الجرح القديم، العميق والمموّه، لم يخلّف فيّ مرارة أو حرقة». أما ما يتميز به بيفو عن الكاتب فلا يقتصر فقط على حقّه في طرح السؤال الذي يشاء، بل الحق في طلب الإجابة، كما يقول مستشهدا بجملة من كتاب «الخلود» لميلان كونديرا.
أما في مديحه للكتاب، أو لعلاقة الناس به فيقول إنه حتى أولئك الذين لا يقرأون يؤمنون بأن الكتاب مقدّس: «نحن لا نرمي كتابا، ولا نحرق كتابا، ولا نتلف كتابا، بل نهتم به، ونحيّده، ونصنّفه ونفتخر به». أما الكتّاب فأشخاص فريدون، غريبو الأطوار ومثيرون للإعجاب، محترَمون ومقدّسون، وبمعنى أدقّ مبجّلون».
في مقدّمة الكتاب – السيرة يتحدّث بيفو عن تعبه من قراءة الروايات، والتاريخية منها خصوصا، وعلى نحو أخصّ تلك التي تجري أحداثها خلال العصور الوسطى والثورة الفرنسية. وما يجعل المحاورة حول الروايات صعبة، فيما يخصّ كاتبها وما يخصّه هو، طارح الأسئلة، أنها بعكس كتب المذكرات والسير والتاريخ والفلسفة، بلا وقائع وأسماء معروفة للقارئ، يقول المؤرّخ، على سبيل المثال، «فإذن، إن نابليون» أما الروائي فيقول «شخصياتي، بطلي إلخ». وفي المقابلة التلفزيونية أو المكتوبة يقع الروائي في الإشكال الناجم عن ضرورة الفصل بين الراوي والكاتب، كما بين هذين الاثنين وبطل الرواية. كما تناولت أسئلة بيير نورا لبيفو قراءته للكتب الكثيرة التي قرأها على مدى تلك السنوات، كونه أحد القارئين المشهورين، على غرار الشهرة التي حصّلها خورخي بورخيس، وألبرتو مانغويل وسواهما. وقد أتيح لبيفو أن يجيب عن علاقته الفكرية بما قرأ، لكنه هنا آثر أن يتكلم عما يسبق القراءة، استحضارا وإعدادا، وما يحيط بها ويدور حولها. في الإجابات أفصح عن الأهمية الخاصة للثقافة الفرنسية، وهو يقول إن برنامجه، رغم أنه استضاف كتّابا من أنحاء العالم، إلا أنه برنامج فرنسي، قاصدا الطليعة التي كانت عليها الثقافة الفرنسية في سنوات الستينيات وما تلاها.
في بعض الأسئلة يجيب بيفو بما يقرب من أن يكون مطارحة كاملة. هكذا فعل حين أجاب كيف أن جهاز تبديل القنوات (الريموت كونترول) واحد من الاختراعات التي غيّرت، ليس فقط سلوكنا أمام التلفزيون، ولكن أيضا تصرّفاتنا ونفسياتنا. إنه، للسهولة التي يتيحها في تقليب ما نشاهده، يضعنا خارج الزمان والمكان، «نقطع خطابا للقبض على آخر، ونتهرّب فجأة من المنطق والتماسك، لم نعد ننظر ونستقرّ، بل نقفز». أحسب أن الاستفاضة بتعداد الأثر الذي خلّفه ذلك الجهاز واحد من أبواب الخاتمة التي بات معها برنامج بيفو «أبوستروف» غير ملائم للأزمنة التي تلت. ربما كان ذلك الجهاز أكثر ملاءمة أو أكثر انسجاما مع تلك الوفرة التي يحبّذها المشاهد الأمريكي، وقد صار نموذجا عالميا من بعده، الآن بات حضور الكتب في الإعلام التلفزيوني نادرا ومدموغا بقلّة الأهمية.
«مهنة القراءة” هو حصيلة حوار مطّول أجراه بيير نورا المؤرخ وعضو الأكاديمية الفرنسية مع برنار بيفو مطلق البرنامج التلفزيوني الثقافي «أبوستروف»والرئيس السابق لعدة جوائز أدبية بينها جائزة غونكور. الكتاب ـ السيرة نقله عن الفرنسية سعيد بوكرامي وصدرعن «منشورات تكوين» في 287 صفحة لسنة 2020.

روائي لبناني