الرئيسية / بالإشارة الى... / من أسقط ديما صادق عن الـ”درج”؟

من أسقط ديما صادق عن الـ”درج”؟

عماد الشدياق – السبت 11 نيسان 2020
https://www.asasmedia.com/news/385916

في المبدأ، لا بدّ من الاعتراف بأمرين. الأول، هو أنّ التحقيق الاستقصائي الناجح وظيفته الإجابة عن أسئلة مطروحة، وليس أن يفضي إلى طرح المزيد منها. أما الثاني، فيخصّ الـ”كرونولوجيا” أو علم التسلسل الزمني للأحداث.

قبل أيام انتشرت بعض التسريبات عن تحويلات مصرفية أجراها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى الخارج، فأطلّ الأخير مؤكداً أنّ المعلومات مفبركة، واضعاً إياها في إطار حرب تُخاض ضده من جهات “معروفة”. بعدها بساعات أطلّت الزميلة ديما صادق بفيديو مصوّر، أكّدت خلاله أنّ الملف كان بحوزتها، وكانت تحاول التقميش عن مزيد من المعلومات لتعرضها على الرأي العام. الفيديو نُشر على صفحات موقع “درج”، وأُرفق بتحقيق يروي القصة ويعرض بعض الصور عن الوثائق … وما زال النفي والنفي المضاد في الملف مستمرّين حتى اللحظة.

إقرأ أيضاً: الدولار بين الحزب/سلامة/المصارف.. مكتّف: 3000 سعر عملي

المعلومات تقول إنّ فريق “درج” كان يعمل فعلاً على تقصّي التفاصيل والمستندات منذ مدّة، لكنه لم يتمكّن من إضافة أيّ معلومة عمّا هو موجود في التقرير. ربما تسريب سطور من التقرير على صفحات مجهولة في “تويتر” قبل أيام، زاد الزملاء في “درج” حماسة وشجاعة لتبنّي التقرير كما هو، ولنشره قبل أن تسبقهم إلى نشره جهة أخرى. بدا ذلك واضحاً من فيديو صادق الذي أُعدّ في اليوم نفسه، حتّى ساعات الفجر الأولى. كما كان لافتاً في هذا الصدد أيضاً ردّ سلامة الذي سبق “فضيحة” صادق، وليس العكس، في مشهد منافٍ لأصول تسلسل الأحداث (الردّ على الفضيحة المفترضة جاء قبل الفضيحة نفسها).

الصحافي اللبناني المقيم في فرنسا والمتخصّص في الإرهاب الدولي، ألبير فرحات، فنّد لموقع “أساس” براهين  التقرير. قال إنّه حين اطّلع على الملف قبل 4 سنوات (وهو تاريخ إعداد التقرير ونشره، بحسب ديما صادق)، يوم كان مسؤولاً عن الملفات المالية والعمليات الخارجية في شركة cristal credit بمدينة ليون، ذُهل “لكمّ المعلومات الغزيرة” الموجودة فيه، لأنّ الحصول عليها بهذا الشكل “أمر صعب، بل مستحيل”. وبعد أن أسف لتسرّع صادق وموقع “درج” في نشر التقرير، قال: “كنت أنتظر منهما المزيد من الحرفية في العمل”، ثمّ سأل عن الجهة التي سرّبت التقرير “المفبرك” لصادق وأوقعت بها في هذا التوقيت الدقيق؟

كشف فرحات أنّ الصفحة رقم 13 الأخيرة في التقرير قد حُذفت عن قصد ربما، ولم تُسرّب لصادق، لما فيها من “معلومات حسّاسة قد تتسبّب بحرب أهلية”، وتشكّل حساسية لـ”حزب الله”. فكأنّ من أراد تسريبه تعمّد اخفاءها “حتى لا يُغضب الحزب”، وعلى الأرجح لكي تعمّر “الكذبة” مدة أطول، بحسب قوله. هذه الصفحة، بحسب فرحات، “تتّهم رياض سلامة بالتعامل مع بنك هبوعليم الإسرائيلي، وهذا غير صحيح طبعاً”. كاشفاً أنّ الشركة توجّهت إلى المصرف المذكور في حينه عبر مكتب محاماة فرنسي، وطالبته بتوضيح حول المعلومات، فحصلت منه على “كتاب رسمي” ينفيها تماماً.

يستتنتج فرحات أنّ ثمة “ساعة صفر” أُطلقت من مكان ما، لأنّ عمر الملف يزيد على 4 سنوات، وهناك من أراد إعادة إحيائه، لكن “كل ما ذكرته ديما في الفيديو لم يكن صحيحاً”. ربطت الملفّ بأوراق بنما (Panama papers) والأخيرة “لا تأتي على ذكر حسابات الأفراد وإنّما حسابات الشركات والدول”. كما تحدّثت عن تسمية الحاكم وأخيه رجا سلامة بالاسم “ونحن نعرف أنّ الـPEP (Politically exposed person) يُذكرون في التقارير والبيانات المصرفية بأرقام حساباتهم متسلسلة أو بأرقام حساباتهم، وليس بأسمائهم”.

ربّما فات ديما صادق، وفاتنا جميعاً، أنّ صاحب أعلى صلاحيات في الجمهورية بمجال مكافحة تبييض الأموال والإرهاب المصرفي، قد يستحيل عليه أن يترك ثغرات تضع رقبته تحت المقصلة بهذه السهولة، إن وُجدت فعلاً

يعود فرحات في الذاكرة، فيخبرنا أنّ الزملاء في صحيفة “الأخبار” كانوا يعلمون على التقرير منذ العام 2017 ولم يأتوا على ذكره طوال هذه المدة. يخبرنا أنّ الزميل حسن عليق اتّصل به قبل 3 أشهر، وطلب نسخة من الملف مع المستندات الاصلية: “قلت له: لا مستندات أصلية في الملف لأنّه وصل إلى كريستال كريدي جاهزاً مطبوخاً ولم تقُم الشركة بإعداده”. وهذا يعني بحسب فرحات، أنّ ثمة من “أوصل الملف إلى الشركة في فرنسا”، وطلب منها التدقيق به، مؤكداً أنّه أقنع الشركة في حينه بعدم الخوض فيه “لأنه سيورّطها”، مقرّاً في الختام بمعلومة واحدة صحيحة قالتها ديما بالفيديو المصوّر، وهي الجزء المتعلّق بـ”العلاقة السيئة بين التيار الوطني الحر ورياض سلامة”.

لكنّ لماذا ديما صادق؟

لعلّ الجهة التي أرادت إعادة إحياء التقرير، بحثت عن شخصية محايدة عن اللعبة السياسية، بعيدة عن خصوم سلامة التقليديين. شخصية مدنية قادرة على التأثير في الرأي العام الداعم للثورة والثوّار، ومن خارج اصطفافات السلطة. كما أنّ شخصية ديما الجدلية ومنسوب الـ” إيغو” المرتفع الذي بدا واضحاً في الفيديو (“أنا كنت قبل 3 أشهر حصلت على التقرير”) ساعدا في إنجاح الخطة… لكن ليس طويلاً.

ربّما فات ديما صادق، وفاتنا جميعاً، أنّ صاحب أعلى صلاحيات في الجمهورية بمجال مكافحة تبييض الأموال والإرهاب المصرفي، قد يستحيل عليه أن يترك ثغرات تضع رقبته تحت المقصة بهذه السهولة، إن وُجدت فعلاً. لكن هذا الأمر في المقابل لا يعني أنّ سلامة لا يملك أموالاً (أقرّ هو بذلك) بل ثمة فرق كبير بين إثبات “امتلاكه المال” واثبات “اختلاسه” له.

اضف رد