منذ 126 عاماً: محمد كامل البحيري أسّس أول جريدة وأول مطبعة في طرابلس

في العام 1893، أنشأ الاديب محمد كامل البحيري، في الفيحاء، جريدة علمية أدبية اسمها “طرابلس – الشام”، تُطبع في مطبعة كانت تطبع أيضاً الكتب العربية والتركية و غيرها, هذا ما يذكره حكمت بك شريف في كتابه “طرابلس الشام منذ أقدم أزمانها إلى هذه الايام”.

صوررة جامعة لإنجازات البحيري، الجريدة، المطبعة ومشاركته في بناء المستشفى.في القرن التاسع عشر أي منذ 126 عاماً، أصدر البجيري (1856 – 1920) أولى صحف الفيحاء “طرابلس الشام” ، وهو صاحب أول مطبعة (“البلاغة”) في المدينة. واللافت أن الأولى استمرت 15 عاماً، إلى أن بادر حكمت شريف يكن إلى إصدار جريدة “الرغائب” في العام 1908. تبعه إصدار مجلة “المباحث” في العام نفسه لجرجي وصموئيل ينّي، ما مهّد لزيادة عدد الصحف في الشمال.

من هو محمد كامل البحيري؟

مواضيع ذات صلة

محمد كامل البحيري.

الجواب راوح ما بين بحث عن البحيري وحوار مع حفيده كامل الذي يحمل اسمه بفخر كبير. “لم أعرف جدي، فهو توفي في العام 1920 في وقت كان والدي لم يبلغ العامين من عمر”، هكذا قال كامل عن جده. لكنه شدد على أنه “يشعر بفخر كبير عندما يقرأ عنه، ويسمع عن بصماته من العائلة”.

عَرف عن سيرته بأن جده كامل طرابلسي المنشأ، وطني الجذور، مثقف بامتياز، ومتمرس باللغات العربية والفرنسية والتركية. أشار إلى أنه سجل نجاحاً لافتاً في عالم الأعمال، ما شجع الحكومة العثمانية على تعيينه لرئاسة مناصب عدة ومنها رئاسة لجنة النافعة لتشييد المؤسسات الرسمية، ومنصب نائب رئيس محكمة الحقوق ونائب رئيس محكمة الجزاء.

الهيئة المشرفة على تشييد المستشفى الحكومي في ابي سمراء وهم سعيد ضناوي، نعمان عجم، رشيد طليع،فؤاد ذوق ومحمد كامل البحيري.

في موازاة ذلك، شدّد كامل على أن جده حرص على المساهمة في تنفيذ مشاريع عمرانية واجتماعية للمدنية وعلى رأسها مشروع بناء مستشفى خيري في محلة أبو سمرا المعروف اليوم بـ”دار الخدمات الاجتماعية”.

الترخيص بالتأسيس

ماذا عن الصحيفة؟ تكشف متابعتنا للمصادر المشار إليها، أن البحيري “لمس الأهمية الكبرى للمطابع والصحف في تطور المجتمع وانفتاحه، ما دفعه للطلب على امتياز من السلطنة العثمانية لتأسيس مطبعة لطباعة الكتب ولإصدار جريدة.

أحد أعداد الجريدة.

وتطرقت أيضاً إلى الصعاب التي اصطدم بها عند بداية إطلاق مشروع الصحيفة والمطبعة، ولا سيما عندما وضع مفتي السلطنة آنذاك الشيخ أبو الهدى الصيادي في وجهه الصعوبات والعراقيل، ما كان يحول دون حصوله على ترخيص لجريدة “طرابلس” وإنشاء مطبعة “البلاغة”، إلى أن منح السلطان عبدالحميد البحيري الترخيص بتأسيس مطبعة “البلاغة” وإصدار جريدة “طرابلس الشام”.

الخدمة الوطنية

ومضمون الصفحات الداخلية غني بالقضايا الحيوية.

وأشارت إلى ما ذكره البحيري في العدد الأول من الصحيفة، لا سيما من ناحية أهمية الحصول إلى المطبعة والجريدة بالنسبة لطرابلس، حيث كتب في العدد نفسه قائلاً: “فاشتمال طرابلس على مطبعة وجريدة يسهل نشر العلم وتبادل أهل الذكاء والفهم وغير ذلك من الفوائد ما لا يقدّر من العوائد ما لا يحصى ولا يعد، كما أنها مورد التجار ومحط السفّار، والمطبعة مستعدة لطبع الكتب من أي نوع كان وبأي لغة من اللغات المتداولة حسب الإمكان، والجريدة قائمة في سبيل الخدمة الوطنية”.

عدد آخر من الجريدة.

ولم تغفل في الإشارة إلى فترات التعطيل للجريدة، التي تناولها المؤرخ يزبك في كتاباته مشيراً إلى أن “معارضة محمد كامل البحيري للنهب بين قسم من العلماء والوجوه الرجعيين من زمرة الصيادي، دفع إلى تعطيل جريدته خمس سنوات وإلحاق أضرار مادية جسيمة…”.

مراسلوها من بلدان عدة

وكشفت أن إدارة التحرير قامت على أسس حديثة، فاعتمد مراسلين للجريدة في أنحاء السلطنة وفي الخارج، في البرازيل، وكلكوتا، وجدة. والأهم أن البحيري تولى بنفسه تحرير الجريدة، وعاونه شقيق زوجته الشيخ عبدالفتاح الشهال الذي كان مولجاً تركيب مواد الجريدة وتنسيقها، فيما اهتم العلامة الشيخ حسين الجسر تحرير المقالات الدينية والاجتماعية والفقهية.

الصحافة الحرة في جريدة “طرابلس”.

أما فريق المحررين فضم كلاً من الشيخ سامي صادق، وكان يقوم بسكرتارية التحرير صحافي من آل الإمام وصحافي آخر من آل النعنعي. واللافت أن المحرر محمد كامل البابا نشر تقريراً استقصائياً وافياً عن تفاصيل غرق الباخرة الإنكليزية “فيكتوريا” ذاكراً أسماء أفراد طاقمها والذين غرقوا معها. ومن أهم ما نشر في جريدة طرابلس، في عددها عام 1913، مقالة الفيلسوف الفنان جبران خليل جبران تحت عنوان “دمعة وابتسامة” ينتقد فيها شعراء المهجر العرب، كما كانت باكورة نتاج الشيخ رشيد علي رضا نشرت في جريدة طرابلس.

صورة عن غرق السفينة “فيكتوريا”، موضوع استحوذ اهتمام الجريدى في حينها.

وتوزعت بحوث الجريدة على المواضيع السياسية والعثمانية والاجتماعية والأدبية والاقتصادية والتاريخية والدينية….من هنا بدت دعوة محرر الجريدة إلى ضرورة بناء المدارس الصناعية، إضافة إلى التطرق إلى المواضيع التعلمية وخاصة تعليم البنات “التي هي من أعظم الأسباب لنجاح الشعوب”.

القضايا من أقطاب العالم.

نتاج المراسلين….

بقيت جريدة “طرابلس الشام” تصدر أسبوعياً حتى  تاريخ ٢٥ كانون أول ١٩٢٠ تاريخ وفاة مؤسسها. واللافت أن البحيري يتوق إلى جمع أرشيف الجريدة، ويضع في أولوياته البدء في اتصالات قد تمهد له الطريق ليجد بعض الأعداد، إن في مكتبة الكونغرس أو عبر البحث في أرشيف السلطنة العثمانية. المهم أنه قرر “التقصي عن أي مرجع أو مكان يجد فيه هذا الأرشيف”. ماذا عن المطبعة؟ قال: “انتقلت من طرابلس إلى بيروت حيث تمكنت من طبع كتب قيمة جداً ومنها طبعة فخمة وأخرى عادية لرندلى، رائعة سعيد عقل…”.

* الصور من مجموعة السيد كامل البحيري. 

________________________________________________________________

المصادر:

– جريدة “طرابلس الشام”

– موقع: طرابلس الحاضر وذكريات لا تنسى

– الدكتور محمود سليمان: “السمات العامة للقرن التاسع عشر في طرابلس”، ص: 31-32

– يوسف خوري: مدونة الصحافة العربية، معهد الإنماء العربي، بيروت، ١٩٨٥، ص٢٠٧ .

يوسف أسعد داغر: قاموس الصحافة اللبنانية، ج٣، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، ١٩٧٥، ص٢٠٧ –

– حكمت بك شريف: “طرابلس الشام منذ أقدم أزمانها إلى هذه الايام”.

– http://www.beirutletter.org/index.php?page=culture&id=210&action=Detail

– د. أنيس الأبيض: “مواضيع وبحوث من خلال جريدة طرابلس الشام”، صحيفة “الحياة”، العدد: 17144 تاريخ:2010-03-13

– مارون عيسى الخوري: “ملامح من الحركات الثقافية في طرابلس”.

[صورة رقم واحد: محمد كامل البحيري – رقم 2: عدد من جريدة طرابلس – رقم 3: مبنى مطبعة البلاغة – رقم 4: محمد كامل بحيري (الأول على يسار الصورة) مع لجنة مؤسسي جمعية الخدمات الاجتماعية في طرابلس.]

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*