الرئيسية / home slide / منح الصلح في الذكرى السابعة لغيابه…. تاريخ حيّ يشهد عليه مطعم فيصل

منح الصلح في الذكرى السابعة لغيابه…. تاريخ حيّ يشهد عليه مطعم فيصل

في مرحلة الحرب اللبنانية وما حفلت به من مآسٍ وتغييرات، فقدت «رأس بيروت» بعضاً من ذاتها لا بل بعضاً من روحها عندما رحلت عنها مؤسسات عديدة كانت تُرصّع شوارعها وأحياءها بألوان العصر – وأحياناً سابقة للعصر – لتجعلها منارة فكرية وثقافية واجتماعية ومحجّة للبنانيين والعرب والأجانب، ينتزهون في طرقاتها، ويدلفون إلى مكتباتها ويرتادون مدارسها ويتخصّصون في جامعاتها ويتمتّعون بأنديتها ويتغنّون بمقاهيها ويتلذّذون بمطاعمها، وينهلون من مواردها العذبة التي تتدفّق حيوية وأناقة وتفيض على محيطها نضارة وألفة وسمواً، ناهيك عن سحر اللقاء وثراء الحوار وما يليهما من نثر للوعود وتعميق للصداقات.

من تلك المؤسسات، أو قل من تلك المعالم، التي توارت مخلّفة وراءها الأسف والتساؤل: مكتبة رأس بيروت، المراكز الثقافية الأوروبية، نادي خرّيجي الجامعة الأميركية، مطعم فيصل، مقاهي الهورس شو، الإكسبرس، الويمبي، الستراند، أليسار، فضلاً عن دور السينما الأنيقة التي كانت تجذب هي الأخرى روّادها من كل مناطق بيروت ومحيطها.


(من أرشيف العائلة)

في ذلك المدار الثقافي السياسي كان لمطعم فيصل – موضوع حديثنا – دور كبير ومكانة مرموقة. وكان المطعم يقع وسط شارع دانيال بلس (مؤسس الجامعة الأميركية) ومقابل مدخلها الرئيسي – Main Gate – بحيث لا يمكن لأحد أن يتفادى رؤيته إذا كان خارجاً من الجامعة أو داخلاً إليها. إلى ذلك يجاور المطعم شارع عبد العزيز ومستشفى الجامعة، ولا بد من المرور أمامه قبل الولوج إلى شارع جاندارك الذي يصل شارع بلس بشارع الحمرا.
ذاع صيت «فيصل» في مختلف البلدان العربية حتى أصبح معلماً لا بد من زيارته لكل المتنوّرين والسياسيين العرب.
مكانته كما شهرته إنما برزت من كونه ملتقى سياسياً وفكرياً في آن. حتى طلاب الجامعة الذين كانوا يرتادونه إنما كانوا أيضاً من ذوي الاهتمامات السياسية يشعرون بداخله بشيء من الأهمية بالمقارنة مع آخرين كما بشيء من الحرية السياسية التي تفرض عليهم الاطّلاع والمطالعة كي يكونوا على مستوى الآخر «والأخ الأكبر» عند المناقشة في مواضيع الساعة أو القضايا الكبرى.
ومن أطرف الكلمات التي كانت ترد على لسان بعض أهل القلم، كما خرّيجي الجامعة الأميركية تلك الكلمات التي تتوغّل في وصف مطعم فيصل وتنسج حوله القصص النادرة والنوادر المثيرة حتى وصل الأمر بالبعض إلى اعتباره مركزاً متقدماً من مراكز التأثير السياسي في المنطقة العربية، بدليل أن الرئيس عبد الناصر ذكره صراحة في معرض انتقاده لحزب البعث الذي كان يهيّئ نفسه آنذاك لحكم سوريا والعراق.
كان «فيصل» مقصداً للأساتذة والطلاب والمتخرّجين وأهل الطلاب فضلاً عن جماعة المثقفين والصحافيين والأطباء والسياسيين والجماعات الحزبية ليشكل من كل هؤلاء، ومع كل هؤلاء، ملتقى ونادياً ومطبخاً سياسياً ومحطة مرغوبة لزوار الجامعة ومستشفاها، فضلاً عن زوار المكتبات والانترناشيونال كوليدج، والمدارس الأخرى التي كانت تزيّن الشارع الشهير.
ولقد احتضنت «رأس بيروت» التي شكّلت المدى الحيوي للجامعة الأميركية ومطعم فيصل مؤسسات تربوية وثقافية عديدة، وفي فضائها نبتت أفكار جديدة ونشأت تقاليد عصرية تحاكي مواقع لندن ونيويورك، أما في بيوتها فقد تأسّست أحزاب كالحزب السوري القومي الاجتماعي، حركة القوميين العرب، حزب النداء القومي، وأطلّت أندية كالنادي الثقافي العربي، نادي العروة الوثقى، المركز الثقافي الألماني (غوته)، المجلس الثقافي البريطاني، المركز الثقافي الإسباني، فضلاً عن أندية الجامعة نفسها، ونشطت حركات سياسية قومية (حزب البعث) وحركات يسارية (الحزب الشيوعي) فتفاعلت القوى وتنافست الأفكار فأصبحت «رأس بيروت»، والجامعة ضمناً، محط أنظار الطلاب والمثقفين والعلماء والخبراء واللاجئين السياسيين والعاملين في المصارف وشركات الطيران والسفارات والشركات، فضلاً عن العائلات العربية واللبنانية التي تدفّقت إليها لتكون على مقربة من أبنائها الطلاب أو طلباً لرغد العيش والرفاهية في ربوعها السخية التي وفّرت لساكنيها وزائريها الاستقرار وكل عناوين الرقي الاجتماعي، سواء في فنادقها الحديثة أو مسارحها أو مقاهيها أو مطاعمها أو دور السينما فيها.
في هذا الإطار العصري الذي وُجد فيه وضمن هذا المناخ الاجتماعي التفاعلي الذي شارك فيه، طوّر مطعم «فيصل» نفسه وعزّز خدماته وجدّد إدارته لينطلق ويزدهر ويصبح قبلة أنظار الإنتلجنسيا اللبنانية، تُبحَث أخطر وأطرف الأمور حول طاولاته، جنباً إلى جنب مع ناس من مختلف الأقطار والطبقات والمناطق والمشارب – يتبادلون الآراء والأخبار والأسرار ويتوغّلون في تحليل المعلوم وكشف المستور ويستحضرون الحكام والحكومات إلى طاولات التحليل والتشريح والتقييم لتطير بعد ذلك الأخبار إلى الدواوين والبلاطات فيتحسّس الأمراء والملوك والرؤساء، وأحياناً يتوجّسون مما كان يجري من أحاديث داخل أسوار المطعم خاصة إذا تناولت تلك الأحاديث احتمالات التغيير السياسي أو الانقلابات العسكرية. وكم من مرة تحدّث الحاكم العربي في مجالسه الخاصة ومع المسؤولين اللبنانيين عن مشاكل «فيصل» وإشكالاته وحلقاته السياسية الخطيرة الشأن.
كان «فيصل» مطعماً شرقياً – لبنانياً ليس له مثيل في «رأس بيروت» يحاكي مطعم الريس الشهير وغيره من المطاعم المعروفة في تقديم أشهى المأكولات كالكبّة بالصينية والمشويات والمازات والمسبحات والباميا بالرز والصيادية والأرنبية والمغربية وإلى ما هنالك من أطايب يسيل لها اللعاب.

شكّل «فيصل» الذي كان مقصداً للاساتذة والطلاب والمثقفين والصحافيين والأطباء والسياسيين والحزبيين، ملتقى ونادياً ومطبخاً سياسياً ومحطة مرغوبة من الجميع…


لكنّ «فيصل» فوق ذلك – أو بالأحرى قبل ذلك – كان صالوناً سياسياً رفيع المستوى يغذي المجتمع بأفكار جديدة وتحليلات مفيدة هي ثمرة الحوارات السياسية والأدبية التي كانت تجري في رحابه بين أساتذة جامعيين ومثقّفين كبار، بينهم منح الصلح ود. محسن العيني ود. قسطنطين زريق ود. خليل حاوي ود. نبيه فارس ود. نقولا زيادة ود. يوسف صايغ ود. عدنان إسكندر ود. يوسف ايبش.
اللبنانيون من رواد فيصل كانوا من مختلف المشارب السياسية يتحولون في المطعم إلى زملاء وأصدقاء يتسامرون ويتناظرون ويتبادلون الأخبار والأفكار، ولكن في النهاية تفضل كل فئة التحلق حول ذاتها إلى طاولة أو ركن في المطعم. وعلى سبيل المثال كنت ترى من جهة السوريين القوميين وفي مقدمهم صباح قبرصي، نظام الأشقر، فداء جديد، ضياء قبرصي ومعهم يوسف زعرور وطلاب من الكورة (فريد نبتي) وفي زاوية أخرى كنت تشهد حضوراً للطلاب البعثيين من بينهم رغيد الصلح، معن بشور، عماد شبارو، منصور حريق، بشاره مرهج، وكان ينضم إليهم أحياناً إيلي الفرزلي وشفيق أبو جودة وناجي الحسن وربيع وعبد الرحمن الأسير وطلاب عرب من الأردن وفلسطين وسوريا. أما زاوية القوميين العرب فكانت محفوظة هي الأخرى لوليد قزيحة، بهاء الدين عيتاني، غاندي حلبي، بسام أبو شريف وموفق زهر الدين.
ومن قبلهم جهاد ضاحي وهاني الهندي وأحمد الخطيب وجورج حبش ووديع حداد وصالح شبل.
إلى ذلك كان يتوافد إلى المطعم من الطلاب: محمد قباني، هاغوب دمرجيان، إبراهيم خوري، كميل حوا، وليد سليمان، محمود شريح، محمد مطر، عبدو قصير، عبدالله أبو حبيب، رينه خلاط، فاروق المصري وحافظ رافع.
أما الجيل الذي سبقنا فأذكر حضور محمد عطالله، بشير الداعوق، وليد الخالدي، محمد الصباغ، حسن الشريف، زهير علمي، عبد المحسن قطان، كمال الشاعر، عصام نعمان، الياس ونقولا الفرزلي، مكرم عطية، وليد بركات، فخري صاغية، سهيل الشماس وسهيل السعداوي.
ومن الشخصيات السياسية أتذكّر حضور الرؤساء عادل عسيران، كامل الأسعد، أمين الحافظ وزوجته ليلى عسيران، أديب الفرزلي. أما الرئيس صائب سلام فكان حاضراً بشخص علي المملوك.
ومن الصحافيين ميشال أبو جوده، رفيق خوري، سونيا بيروتي، مهى سمارة، رياض نجيب الريس، إبراهيم سلامه، أحمد شومان، الياس الديري، سليمان الفرزلي، ذو الفقار قبيسي، سمير شاهين، زهير السعداوي، فريد الخطيب معظمهم يتحلّقون حول منح الصلح وينضم إليهم أحياناً كامل الزهيري وأحمد بهاء الدين من مصر.
كما كان لأطباء الجامعة، رغم ضيق الوقت، حضور دائم وقت الظهر، أتذكر منهم د. كمال بخعازي، د. كرم كرم، د. سامي حريق، الياس الشماس، باسل عطالله.
ومن الشعراء والفنانين، يوسف الخال، صلاح الأسير، محمود كحيل….
ومن أساتذة الجامعة أتذكر نديم نعيمة، لطفي دياب، كمال الصليبي، سهيل جبور، بول خلاط، الياس سابا، منير بشور، نعيم عطية، ألبرت بدر، جان مرهج، حليم بركات، يوسف شبل، مارون كسرواني، سمير ونديم خلف، محمود زايد.
في مطعم «فيصل» كنت تجد نفسك وسط لفيف من الرواد العرب أساتذة وطلاباً وزائرين، تسمع رأياً لكمال ناصر وتعليقاً لغسان كنفاني أو معلومة لعبد الوهاب الكيالي أو ملاحظة لشفيق الحوت أو معادلة ليوسف صايغ، دون أن ننسى بالطبع سرديات عبد المحسن أبو ميزر ومرافعات محمد يوسف نجم وإطلالات جهاد كرم وفؤاد نخله ومحمد صباغ وحسن الشريف وإسهامات أسعد عبد الرحمن وماهر المصري ومطالعات مروان ونبيل ومحمد الدجاني.
أما من الوسط الأردني فلا أزال حتى الآن أتخيّل صور اللقاءات التي كانت تضم آل زريقات (حران ومروان) وآل الطاهر وآل جان بك وآل فارس وآل المعشر والمفتي ومعهم ظافر كيالي وجرير وريما حلزون ومعهم جورج مدور وباسم فارس وأسامة طوقان، فضلاً عن الأصدقاء ناصيف عواد، أديب ناصر، أنور بطيخي، فاروق حوراني، محمد مال الله وإسحق الحسين.
وإن حالفك الحظ كنت تشهد في «فيصل» حوارات ساخنة عن بغداد والموصل والبصرة تتردّد على ألسنة سعدون حمادي، خير الدين حسيب، فيصل حبيب خيزران وعامر خياط وآخرين ممن تسبّبت في تهجيرهم الانقلابات العسكرية والصراعات الحزبية. أما من سوريا فكان الحضور يشمل أهالي الطلاب وبعض الشخصيات السياسية، ومن بين هؤلاء لا أزال أذكر تواجد إحسان نظام الدين، الوليد طالب، صادق جلال العظم وبشر العظم وحسان صمادي فؤاد ومالك زين وغسان دروبي دون أن ننسى بالطبع عاطف دانيال وأصدقاء منح الصلح.
كان «فيصل» قبلة للشباب، أما الجنس اللطيف فلم يكن حضوره ملموساً في تلك حتى شرعت مجموعة من الطالبات اللبنانيات والأردنيات بارتياده، أتذكّر منهن باقة: لينا وسناء وهدى عسيران ، فاطمة سبيتي ، منى نجيب، بشرى بدير، بشرى جبر، هدى منصور التي انتُخبت ملكة جمال الجامعة، ونجلاء وعبلة نصير، مجاد الطاهر، ميما وملاك ونور جان- بك، رشا فارس، هدى المعشر، استر إسحاق، سامية سكر وهدى شعشاعة. كما كانت تطل على المطعم هدى عاقل، سيرين كحالة، كوكب الريس من دمشق ومها فارس من العراق التي رشحناها – خاصة طلاب قسم الاقتصاد- ملكة لطلاب الجامعة.
في مطعم فيصل كنت تحسب نفسك أحياناً في رام الله أو عمان أو دمشق أو بغداد نسبة إلى كثافة الحضور من هذا البلد العربي أو ذاك، كما كان النقاش ينقلك أحياناً إلى باريس لنقد مقولات جان بول سارتر، أو واشنطن، مستدعياً مقالات كلوفيس مقصود وخطابات فايز صايغ فضلاً عن أطروحات شارل مالك وسواهم من الأعلام الذين غزوا الجامعات الأميركية.

إن حالفك الحظ كنت تشهد في «فيصل» حوارات ساخنة عن بغداد والموصل والبصرة يخوضها سعدون حمادي وخير الدين حسيب وفيصل حبيب خيزران وعامر خياط وآخرون


ومن مزايا «فيصل» أنه كان مركز بريد خاصةً لبعض الطلاب العرب واللبنانيين يودعون فيه رسائلهم ويتذوقون إلى طاولاته أطباقه الشهية ويقسطون لإدارته الدفعات المترتّبة عليه. وقد قال لي د. كرم كرم الذي كان يرتاد المطعم إنه كان يحاسب إدارته آخر الشهر.
كان بائع الجرائد يتّكئ على شباكه وإلى جانبه طاولة البلياردو تنتظر الطلاب في محالّ آرام المحاذية للمطعم. أما إذا أرادوا تصفيف الشعر فلديهم محالّ «جرداق» و«سفر» و«مايك» وفي الوسط منها محالّ «بخعازي» للوجبات السريعة المصحوبة بتعليقات المعلم جبران اللاذعة فضلاً عن «الأنكل سام» الشهير إلى أن تصل إلى مطعم ومقهى «اليسار» ولمسات جورج الزعني وإخوانه، دون أن ننسى مطعم أنيس صابر الذي اختصّ بالفلافل الشهية دون غيرها. وأمام المطعم (فيصل) كان يتوقف متهادياً متروياً ترامواي بيروت بألوانه الزاهية ومقاعده الخشبية، ناقلاً الطلاب والعمال من مختلف المناطق. كما من أمامه كانت تمر سيارات السرفيس بلا انقطاع بتعرفتها الزهيدة. أما من كان يفضل سيارة التاكسي فالموقف حاضر على بعد أمتار. كذلك المكتبة ومكتب الصيرفة، البنك ومكتب السفر لصاحبه الشيخ رمزي علم الدين.
ولا أذيع سراً أن بعض رواد المطعم المستديمين كان يسرع إلى المطعم مبكراً لحجز طاولة من تلك المطلة على شارع بلس ومدخل الجامعة الرئيسي.
فما إن يفرغ من قراءة جريدته – قراءة الجرائد كانت شائعة تلك الأيام – حتى يطلب من أنور أو نايف فنجاناً من القهوة – سكر قليل ومتى حضر يرشفه نقطة نقطة فيما العين تعاين حور العين اللواتي يمررن مسرعات في الشارع أو جامعيات حسناوات يطلعن من باب الجامعة كالبدور في سهد أيلول وهنّ يتحدثن إلى زميلاتهن وزملائهن. ولا أبالغ إذا قلت إن باب المنافسة كان مفتوحاً بين المتقدّمين لاحتلال الطاولات الاستراتيجية الثلاث، من ظفر بإحداهن ملأت الابتسامة وجهه وكأنه احتلّ القلعة ومن فاته القطار اقتنع بالمرسوم وشدّ الرحال إلى ركن داخلي لا بأس به من وجهة نظره.
ومن حظ المطعم أنه كان يتألّق وسط منطقة تعجّ بالحياة توفر ما يريده الطالب أو الأستاذ، وكأنك في الحي اللاتيني – في العاصمة الفرنسية على ما ذكره الصحافي المصري الشهير أحمد بهاء الدين.
«فيصل» مثله مثل مقهى الفيشاوي في القاهرة، ومقهى الهافانا في دمشق، ومقهى البرلمان في بغداد، مثله مثل الهورس شو في شارع الحمرا ومطعم العجمي في سوق الطويلة ومقهى الديماغو في باريس، وكافيه لافوت في فيينا كان حديقة مترعة بالقصائد والذكريات الجميلة وسط مرحلة مثقلة بالنكبات والأحزان. كان بالفعل تجربة مضيئة يصعب استعادتها بأنوارها ولحظاتها الملهمة التي نفتقدها في أحوالنا الراهنة الخالية من الحوار الحقيقي الحميم، المعرّضة لكل أنواع البطش والانحطاط والتفلّك.
«فيصل» لم يكن مطعماً عريقاً فحسب، وإنما كان أيضاً منتدى رحباً ذا حضور طاغٍ في «رأس بيروت» تتردّد إليه شخصيات من كل الأطياف والجنسيات والمشارب، تشدّهم إليه زمالة ومعرفة إلى ودّ وتقارب وإن اختلفت الآراء والرؤى، إذ إنه كان مجالاً رحباً للحوار الحر الذي كنا نفتقر إليه في الجامعة، حيث الوضع ديمقراطي على السطح ومتشدّد في العمق، فالحوار متاح في القضايا الأكاديمية ومشتقاتها، أما في القضايا السياسية الحساسة فكان الحوار يخضع إما للرقابة أو الاجتناب. وقد انعكس ذلك على نشاط الطلاب من خلال جمعياتهم التي كانت تجد صعوبة في التعبير عن مواقفها الحقيقية.
كنا نجزع لمّا يؤكد المحاضر الأجنبي أن العرب لا قدرة لهم على تأميم النفط، وأن عليهم أن يقنعوا بالحصة التي تعينها لهم الشركات التي استثمرت الأموال ونقلت المعدات وحفرت الآبار واستخرجت النفط.
أما في الشأن الاقتصادي فكانت تتوالى علينا النظريات عن اليد الخفية التي تنظم شؤون الإنتاج والتوزيع كما المنافسة الحرة التي تسهم في خفض الأسعار وجودة السلع، بينما نركز نحن بالتعاون مع «أكاديمية فيصل» على دحض مزاعم المرجعيات وكيفية تحول المنافسة الحرة إلى حربة بيد الاحتكار يستخدمها في فرض السعر الذي يريد وإفقار الناس. هذا فضلاً عن نظريات التاريخ وأحداثه التي كنا نعمل فيها تدقيقاً وتصحيحاً لتفادي حشو الرؤوس بالأفكار التي تحابي الاستعمار وتحطّ من شأن دول العالم الثالث إلى ما هنالك من معارك كانت تبرز على السطح مع انكشاف الدور الاستعماري الأميركي في العالم كما في منطقتنا العربية بالذات وخاصة في ما يعود إلى الوحدة العربية والقضية الفلسطينية وسواهما من القضايا الحسّاسة. ويصعب الأمر أكثر إذا تعدّى النشاط إبداء الرأي إلى مبادرة عملية تحرك جماعة الطلاب في ندوة أو معرض أو مسيرة فإن الأمر يزداد صعوبة ويزداد معه الاحتكاك بين الطلاب والإدارة المنحازة إلى الموقف الأميركي نفسه.
وإذا حضرت إلى المطعم بغياب المجموعة فيجب أن تكون أيضاً حاضر الذهن إذ من الممكن أن يفاجئك نادل المطعم بسؤال لا تتوقّعه أو بمعلومة جديدة يجب أن تعطي رأيك فيها، وأشهد أن هؤلاء الندال كانوا في غاية الذكاء والدهاء وسرعة الخاطر والخدمة الجيدة، بحيث تشعر أنك في بيتك الثاني. وأكثرهم دهاء كان المتر أمين الذي كان يقتنص المناسبة لجعلها حدثاً كما فعل مع بروفسور مسلم ويدرس الإسلاميات في الجامعة عندما طلب له المسكر في فنجان الشاي.
أما الآخرون نايف وميشال وأنور فكان عليك أن تأخذهم في الاعتبار وتتصرف معهم بعيداً عن المقاييس المتّبعة في المقاهي العامة، إذ إن كلاً منهم كان يهوى ويحسن النقاش في القضايا المطروحة.
«فيصل» لم يكن محطة سهلة وإنما محطة صعبة حيث يتعرض الشخص لأسئلة وامتحانات ينبغي أن يكون مستعداً للإجابة عليها إذا انخرط في مجموعة مهتمة بالشأن العام كانت جلساتها أشبه بالندوة الفكرية (Seminar) تبحث في المعطيات، تقلب الأحداث، وتنفض الغبار عن الخلفيات وتحدد الأبعاد في وسط ثقافي خاب ظنه من الحضارة الغربية التي خانت مبادئها وانقلبت على قيمها ورضخت لمبدأ القوة وروّجت لتفوّق الرجل الأبيض.
وكم من مرة شهد «فيصل» مقابلات حوارية غنيّة بمعلومات مثيرة لم يُكشف عنها النقاب من قبل، أو أفكار جديدة تنفع الجميع، حيث العقل يواجه العقل برصانة ومسؤولية في لقاءات ثمينة حرة لا تبجيل فيها ولا تكفير وإنما إصرار على كشف المحجوب واكتشاف الطريق. وهنا أستشهد بالمفكر منح الصلح الذي قال مطعم «فيصل» وُلد كظاهرة من ظواهر مرحلة تاريخية في حياة العرب، ومن ليبرالية الثقافة في الجامعة الأميركية وقد نافس الجامعة، على ما تقول النوادر، في تخريج البارزين، حتى لكأن الفائز بالسبق هو من حصل على شهادتين من التخرّج: واحدة من الجامعة والثانية منه.
وقد كان لمنح الصلح كرسيّ في مطعم فيصل وأقصد هنا كرسياً جامعياً استحقّه الرجل لثقافته الواسعة وذهنه المتوقّد ومعلوماته التاريخية وغناه السياسي. لذلك كنا في كثير من الأحيان نحضر الدرس في الجامعة ثم نستعيده في ندوة (سيمنار) «فيصل» حيث نعيد قراءة النص وأحياناً نصحّح التحليل الذي سمعناه من المحاضر سواء تعلق التحليل بموضوع النفط أو الاقتصاد والتاريخ.
كان «فيصل» مساحة حوار بل أرض لقاء يملك كل واحد من روّاده حصة فيه. فهو المكان الذي تستكمل فيه الندوات وتُحلل فيه المحاضرات حيث تُطرح وجهات النظر المتعددة دون خوف من الرقيب، سواء أكان حاكماً أم ضابط مخابرات أو حتى عسّاً من عسس الإدارة المتخوّفة من عصبة الشباب وثوراتهم على الإهمال وغلاء الأقساط وانحياز الجامعة إلى السيد الأميركي الضعيف أمام إسرائيل وأمنها وسطوتها.
ولربّما اليوم نحن في أشدّ الحاجة إلى الحوار الذي وفّرته مرحلة «فيصل» بكل ما حملته من ملامح الحداثة ومعالم التنوير. فالحوار، قبل أن تطل مرحلة الاستحواذ والإقصاء، كان ضالّة المؤمنين يتوسّلونه للإضاءة على الموضوع أو إقناع الآخر في حلقات تتشكّل داخل الجامعة كما في الشارع والمقهى والمطعم والمسرح.

*كاتب وسياسي لبناني