الرئيسية / مقالات / منافع «فيروسة»

منافع «فيروسة»

سوسن الأبطح
أستاذة في “الجامعة اللبنانيّة”، قسم “اللغة العربيّة وآدابها”، صحافيّة وكاتبة في جريدة “الشّرق الأوسط”
https://aawsat.com/home/article/2213466
03042020

شركة «ريكار» الفرنسية صارت تنتج المعقمات بدل المشروبات الكحولية، و«مرسيدس» الشهيرة تحولت إلى صنع أجهزة التنفس عوضاً عن السيارات، تماماً كما مثيلتها الأميركية «جنرال موتورز». وبالطبع لن نستغرب أن نرى دور أزياء مرموقة مثل «إيف سان لوران» و«غوتشي» و«أرماني» تنسى الأناقة والرهافة والمناخات الهفهافة، وتكرّس جهودها لإنتاج كميات من الكمامات والمنظفات والملابس الواقية من الفيروسات، مثلما تفعل «ديكاتلون» للمعدات الرياضية التي قررت تزويد المستشفيات بالأقنعة البلاستيكية. وهناك مَن يسخر من الفكرة، ويقول إن هذه الشركات التجارية التي اعتادت الربح الوفير، لا تفعل ذلك لوجه الإنسانية، بقدر حاجتها للحفاظ على حياة زبائنها، لتبيعهم منتجاتها بعد انقضاء الغمة.
وبصرف النظر عن النيات، ففي أزمنة الحروب الكبرى حدث أن بدّلت مصانع بمهماتها المدنية أخرى عسكرية. وهذه المرة النزال الكبير هو في سبيل إنقاذ الأرواح المتألمة، لا قتل الآخر، وهذه أنبل المعارك وأشرفها. و«كورونا» ليس شراً مطلقاً، رغم الخراب الذي ينشره؛ فقد ألزم المدرسين بالتعليم عن بُعد، في كل قارة.
وكان ثمة أساتذة لا يعرفون كيف يكتبون رسالة إلكترونياً، فصاروا، بظرف قياسي، يديرون صفوفاً على التطبيقات التعليمية التي لم يسمعوا من قبل بوجودها. ورغم الصراخ والشكوى، فإن تلامذتنا يُضطرون اليوم للاعتماد على أنفسهم، وقراءة عدد أكبر من الكتب والمراجع، والبحث الشخصي عن المعلومات، لأن التعليم المفتوح، لا يمكن أن يكون تلقينياً. ومهما حاول المقاومون للتغيير بعد انقضاء المحنة، استرجاع عاداتهم البائسة في الحفظ والتغييب، سيلحظون أن الزمن تجاوزهم، وعليهم أن يسيروا في الركب. لا يمكن تخيل المقاومة التي لاقاها هذا الصنف من التعليم في العالم العربي، لكن الضرورة ألزمت الجميع، وطول مدة الحجر وضعت الأستاذ بين الرضوخ للتدريب في المنزل والسير في الخطة، أو إعلان الاستسلام للبطالة.
وهذا من شيق ما جادت به علينا «الفيروسة» القاتلة. ومع أن البعض يتوقع أن يخرج الناس من جحورهم بعد «كورونا» ليعودوا إلى سابق عهدهم، فإن مخابرات دول كبرى تدرس جدياً التبدلات الجذرية المنتظرة، وتتحضر لها. وإذا وضعت جانباً الكلام الكبير عن الاستراتيجيات العالمية، فإن التدابير الداخلية الصغيرة وحدها ستصنع الفرق. ومن الآن، بدأ الحرص على تأمين الاكتفاء الذاتي الحياتي، ليس في فرنسا إيمانويل ماكرون فقط، بل في بلد صغير، مثل لبنان، عرف قيمة أن يصنع جهازاً تنفسياً وطنياً، ويبتكر شبانه تطبيقاً محلياً شبيهاً بما رأيناه في الصين وكوريا الجنوبية، لتتبُّع المحجورين صحياً، وكذلك تشجيع الصناعات بكل أنواعها، والزراعات المحلية، بعد أن تبين أن إغلاق الحدود والمطار محنة بحد ذاتها. ولم يعد نادراً أن ترى عواصم عالمية تشكو فقدان مواد غذائية، أو منتوجات الحصول عليها مسألة حياة أو موت.
ويسأل المفكر جاك أتالي إن كنا فهمنا الدرس. والأرجح أن طول مدة الوباء، وكلفته البشرية والمالية، هما ما سيحددان الإجابة. لكن تقريراً استخباراتياً أميركياً حذر منذ ثلاث سنوات من الزيادة الديموغرافية المنتظرة في العالم، ومن حروب خفية على المصادر الرئيسية، كالطعام الذي سيزيد استهلاكه بمعدل الثلث، والماء بنسبة أربعين في المائة، فيما استهلاك الطاقة قد يتجاوز نسبة الخمسين في المائة. أضف إلى هذه المحاذير التنبؤات المستجدة بأوبئة أخرى، لن يطول الوقت قبل أن تطل برأسها. وبالتالي كما تبين أن حرب الكمامات قد تكون أخطر من الصراع على النفط، وأن جهاز التنفس أهم بالطبع من تبديل السيارة أو الأثاث المنزلي، فإن الدعوة تتزايد لمصانع «اللوكس» كي تبقي على جانب من إنتاجها في خدمة حياة الناس ومستلزماتهم الضرورية، كما التخلي عن الأرباح الباهظة التي تؤمّنها صناعات عابرة للقارات، والتركيز على إنشاء شركات محلية تحفظ لكل دولة أمنها المعيشي.
وما سيصنع الفرق هو الفشل الذريع الذي أظهره القطاع الخاص في إدارة الخدمات عند الأزمات، ليس في أميركا وحدها التي اضطر رئيسها دونالد ترمب، لإصدار قرار حربي كي ترضخ شركات كبرى لتصنيع معدات طبية، وإنما في لبنان كذلك، حيث تبين أن «مستشفى رفيق الحريري» الحكومي الذي أهمل بجلافة، هو أول مَن تصدى لاستقبال المرضى، يوم عوملوا كمنبوذين لا يريد أن يقترب منهم أحد. وكان أطباء وممرضو الجامعة اللبنانية الوطنية، أول مَن عالج هؤلاء، مع أن تبرعات الأثرياء السخية ذهبت دائماً إلى الجامعات الخاصة ببريقها وبهرجتها، لكن لحظة المحنة لم تكن بجهوزية. ولّت أسطورة خصخصة السجون والكهرباء والمستشفيات التي سال من أجلها حبر كثير، وأتحفنا بمديح نجاحاتها المستثمرون، وسقطت بالضربة القاضية حين كشفت «فيروسة» أن أوهاماً كثيرة بُنيت على باطل، وأمجاداً حُكي عنها لم تكن سوى سراب.
إنها العودة إلى الدولة، التي صار بمقدورها أن تحدد لك عدد أكياس الأرز حين تشتريها، وكمية لفائف أوراق التواليت، وتدفع لها غرامة صاغراً إن خرجت من عتبة منزلك دون إذن مسبق. وقد تجد نفسك قريباً، في أكثر الدول ديمقراطية، مرصود الحركة، بهدف حمايتك من خطر قد يداهمك. وإذا تأكد أن الأبراج في نيويورك واكتظاظها، وما تنقله مصاعدها من أعداد الساكنين، ساهمت في انتشار المرض، فإن النظرة إلى هذا المعمار الحديث قد تتبدل، وأسعاره تتراجع. وكل شيء ممكن، لكن الأكيد أن ثمة عودة إلى نصائح جدتي التي كانت تمنعنا من دخول البيت بأحذيتنا، أو الجلوس على كنباتها المطهرة بالصابون بملابس فقدت نقاءها، بعد تجوُّلنا بها في الخارج، وتصرّ على إطعامنا من حشائش الأرض. ومن يرى أن «كورونا» لن يكون سوى أذى كثير، فربما لأن المشهد لم يكتمل. لكن الحسنات، بمرور الوقت، يذهبن السيئات، وكما للبكتيريا فوائد عديدة، كذلك للفيروسات منافع عميمة.

اضف رد