الرئيسية / مقالات / منافع الوباء

منافع الوباء

لولا الوباء الذي يغزو العالم ويتحدّى الإنسان وقدراته وحضارته، لما كان بإمكان الدولة اللبنانية أن تعلن بهدوء وبأعصاب باردة أنها ستتوقّف عن دفع كل ديون لبنان بالعملات الأجنبية، التي تستحقّ من الآن وحتى سنة 2035.

بلغ ارتياح الدولة حدّ الإعلان عن قرارها هذا من دون توفير الشروط الأساسية والبديهية في الظروف المشابهة، أي دون اقتراح جدول بديل للتسديد، وخطاب مطمئن للدائنين وخطّة موثوقة للإصلاح المالي والاقتصادي. فلا شيء عن المستقبل سوى التعابير العمومية عن تمسّك الحكومة “بشكل صارم بمبادرتها الثلاثية المحاور الخاصّة بالإصلاح الاقتصادي”. لو لم يكن اللبنانيون والعالم منشغلين بالجائحة وآثارها لما مرّ الإعلان بهذه السهولة، ولما نجت الحكومة من تهمة اهدار الوقت، سواء بالنسبة إلى الإفصاح عن برنامجها المالي الاقتصادي أو لناحية التفاهم مع الدائنين. فقد صدر إعلان الدولة اللبنانية فيما اهتمامات اللبنانيين ومخاوفهم تتركّز على مخاطر انتشار الوباء.

ليس هذا فحسب، بل إن خبر إفلاس الدولة اللبنانية، أو مهما سمّيناه، كان يمكن أن يتصدّر الصحافة ومواقع الانترنت العالمية كخبر أساسي إلى جانب الأخبار الاقتصادية الدولية البارزة. لكن، والحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه، جاء الخبر متزامنا مع انهيار البورصات العالمية وهبوط أسعار النفط وتوقّف التجارة العالمية ومنع حركة البشر ووسائل النقل عبر الحدود، والنهاية المأسوية المفاجئة للعولمة.

وبدل أن تنصبّ التحليلات المحلية والعالمية على آثار هذا التطوّر المنتظر على مستقبل الاقتصاد اللبناني، ومستقبل اللبنانيين، فإن العالم منشغل بتوقّعات الانكماش الخطير الذي تنزلق إليه الأمم الكبيرة والصغيرة بسبب وباء كورونا القاتل. فالتوقّعات تشير إلى أن العالم يسير نحو ما يُشبه الكساد الكبير الذي ضرب أهمّ الاقتصاديات العالمية قبل تسعين سنة.

لكن، إذا كان العالم منشغلا عنّا فلا يجوز أن ننشغل نحن عن أنفسنا. إن المسألة بالنسبة إلى الشعب اللبناني هي مسألة حياة أو موت. بعد بيان وزارة المال لم يعد يكفي الالتزام بالإصلاح. لقد تأخّر الوقت كثيرا وبات حديث الإصلاح سطحيا وشيئا من الماضي. المطلوب من الآن فصاعدا هو الاستعداد لبناء اقتصاد لبناني جديد. فاقتصاد “جمهورية ميشال شيحا” الذي جدّده وأعاد صياغته رفيق الحريري، هذا الاقتصاد مات وبات جسدا هامدا بلا روح.

أوّل أسباب الوفاة هو “انقطاع الهواء من المصدر”. فالنظام الذي عاش على التحويلات المالية الخارجية لتمويل عجز الدولة والنشاط الريعي فقد القدرة على استقطاب الأموال الجديدة. لأنه، إضافة إلى التغيّرات الجيوسياسية، فقد القطاع الخارجي ثقته باقتصاد لبنان وبسياساته ومؤسّساته.

وثاني الأسباب أن دورة الاقتصاد الريعي دون انتاج حقيقي قد استنفدت. فلم يعد ممكنا الاستمرار بالحلقة المفرغة: مالٌ يأتي إلى المصارف من غير المقيمين، يحوّل إلى القطاع العام لقاء فوائد غير عادية، يعود هذا المال إلى المصارف ثمّ يحوّل إلى الخارج للاستيراد أو هربا من المخاطر اللبنانية.

ثالث الأسباب، أن القاطرة التي تقود هذا الاقتصاد، وهي النظام المصرفي، وصلت إلى مشارف تحدّيات حقيقة، لا سابق لها في تاريخنا المالي. فلا حياة لمصارف لبنان إذا لم تضاعف أموالها الخاصّة كحدّ أدنى، وهو أمرّ غير يسير في ظل ضعف الشهيّة على الاستثمار في لبنان. إن الخسائر الناجمة عن ديون القطاع الخاص الرديئة تتضاعف بسرعة قياسية مع الانهيار الاقتصادي، والتوظيفات البائسة في القطاع العام بلغت نهاية العام الماضي حوالي 148 مليار دولار، ما يوازي 67 بالمئة من موجودات المصارف وسبعة أضعاف الأموال الخاصّة.

تتعرّض المصارف لحملات لا تخدم مستقبل لبنان، كردّة فعل على احتجاز الودائع، وهي أزمة تسأل عنها السياسات العامّة قبل سعي المصارف لغرف الأرباح غير الطبيعية. إن تصويب وظيفة المصارف أمرٌ مشروع وإعادة هيكلتها أصبحت مفروضة بحكم الواقع، إلا أن استغلال الأزمة لتهديم النظام المصرفي هو تهديم لمستقبل لبنان، فلا اقتصاد بدون وساطة مصرفية بين الإدّخار والاستثمار.

لو كان في لبنان قيادة قويّة ومتبصّرة، ووعي وطني لخطورة التحوّلات، وتضامن صادق بين الشعب والدولة، لكان انهيار اقتصادنا الراهن فرصة لبناء مستقبل أفضل. فيقوم اقتصاد جديد عماده الصناعة والزراعة والخدمات واقتصاد المعرفة بديلا من النظام الدي يتغذّى و”يتورّم” بنظام الفوائد السرطاني.

اضف رد