الرئيسية / مقالات / منازلة “الحزب” المحسوبة بدقّة لاسرائيل… ماذا حققت وماذا بعد؟

منازلة “الحزب” المحسوبة بدقّة لاسرائيل… ماذا حققت وماذا بعد؟

خلال المجلس العاشورائي أمس (أ ف ب).26

المرّة الأخيرة التي لجأ فيها “حزب الله” الى استخدام فائض قوته العسكرية في وجه القوات الاسرائيلية كانت عام 2015، وقد اختار في حينه البقعة الجغرافية المحدودة المتنازع عليها وفق مشروعية اممية وهي مزارع شبعا ميداناً للرد بطريقة العبوة الناسفة التي فُجّرت من بُعد بآلية عسكرية اسرائيلية.

تلك العملية المتواضعة النتائج والمحدودة المكان كانت المباح والمتاح أمام قوة الحزب المقاتلة على رغم ان الضربة التي كان قد تلقّاها آنذاك قوية ومدوية وموجعة، اذ قبل تلك العملية بعشرة أيام فقط كان الحزب قد خسر ستة مقاتلين يُدرَجون في صف المحترفين بينهم جهاد مغنية ابن القيادي العسكري الرمز في الحزب عماد مغنية، الى ضابطين من كبار ضباط الحرس الثوري الايراني كانوا جميعاً في رحلة استطلاع ميداني في منطقة مزارع الأمل في القنيطرة السورية المتاخمة للجولان السوري، في مهمة غايتها العمل على تثبيت قواعد امامية تكون بمثابة رؤوس جسور لمواجهات مستقبلية مع الاحتلال الاسرائيلي بهدف توسيع جبهة المواجهة المفتوحة معه.

أما في الأمس القريب (الاحد الماضي) فقد اختار الحزب مسرحاً اوسع وينطوي على تحدٍ أكبر عندما رد على ما اعتبره عدواناً اسرائيلياً على معقله في الضاحية الجنوبية لبيروت في وضح النهار بقصف صاروخي انطلق من مواقع في الاراضي اللبنانية الحدودية، اضطرت اسرائيل الى استيعاب تداعياتها وابتلاع تأثيراتها من خلال الرد عبر القصف المحدود على مناطق لبنانية تدرك تماما أنها غير مأهولة ومن خلال الزعم ان ضربة الحزب كانت بلا جدوائية.

وبعدها بأقل من 36 ساعة، خرج الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله ليعلن على رؤوس الاشهاد، ربما للمرة الاولى، ان لا خطوط حمر بعد اليوم، وهو ما عنى ان ثمة ابواب مرحلة جديدة قد انفتحت امام الحزب عسكرياً في سياق مواجهته مع الاحتلال الاسرائيلي.

تلك هي باختصار المعادلة التي لا يخفي الحزب انه يتوق الى اعادة الاعتبار اليها وتكريسها من جديد، ومضمونها ان الامور قد عادت سيرتها الاولى على الحدود مع الاراضي المحتلة، واستطراداً ان مفاعيل القرار الدولي 1701 الذي يحكم الوضع على الحدود منذ 13 عاماً قد تضاءلت اهميته وتهاوت قيوده تدريجاً، وذلك وسط صمت اميركي وغربي غير معتاد في مثل وضع كهذا، وأولاً وأخيراً قناعة جوهرها ان ثمة غطاء رسمياً لبنانياً نادر الحدوث للحزب تبدّى في مواقف حازمة صدرت بشكل متزامن عن الرئاسات الثلاث والجهات الرسمية المعنية (وزارة الدفاع، المجلس الأعلى للدفاع …) وقد اعتبرها البعض بمثابة ضوء أخضر رسمي للحزب لكي يقدم على ما أقدم عليه وعصمته من ردود الفعل السلبية الداخلية.

في دوائر الحزب الداخلية المعنية، ثمة تداول لحديث عن مكسب مزدوج ورمية من غير رامٍ توافرت للحزب بفعل “غزوة” المسيَّرتين الاسرائيليتين للضاحية الجنوبية في ساعات فجر الاحد ما قبل الماضي. فالحزب الذي كان تلقّى للتو ضربة مؤلمة في الساحة السورية من خلال سقوط اثنين من خبرائه الشباب الواعدين في بلدة عقربا بالقرب من دمشق وقد ولج مرحلة البحث عن سبل الرد الضيقة اصلاً، وجد ولا شك في المسيَّرتين ضالته المنشودة (البعض في الحزب شبّه الوضع بمشهد صحراء طبس الايرانية في اوائل عقد الثمانينات)، اذ وجد نفسه وقد تحرر من أغلال وقيود فُرضت عليه سابقاً، وأعطته حرية الرد والحراك وأباحت له الرد المكتمل المشروعية.

قبل “غزوة” المسيَّرتين للضاحية كان الحزب، وفق الدوائر عينها، مضطراً الى إعلاء صوته الى أعلى الطبقات وأقصى الحدود، منذراً تل أبيب دوماً بأن ترسانته من الصواريخ الدقيقة تزداد وقد بلغت حداً غير مسبوق كمّا ونوعا، وانه على مستوى المقاتلين يعدّهم بهدف الدخول الى الجليل الاعلى واقتحام المستوطنات هناك. وكان (الحزب) مضطرا ايضا وايضا الى توجيه الانذارات المتتالية الى المؤسسة الحاكمة في اسرائيل بان عليها تجنّب اي مغامرة عسكرية تجاه لبنان لانها “لن تجد ما يسرّها ويريحها اطلاقا”.

وليس كشفاً لمستور القول إن البعض كان يعتبر ذلك كله نوعاً من التعويض عن العجز عن تجاوز الواقع القائم والمعادلات الثابتة التي تكبّل يد الحزب وتغلّها عن المبادرة بحرية في الميدان والفعل العسكري. وهي المعادلات الثابتة التي فرضتها مرحلة ما بعد حرب تموز 2006.

وهكذا أتت مسيّرتا الضاحية الجنوبية بمثابة “هدية من السماء” بالنسبة الى الحزب، اذ وجدهما فرصة مؤاتية للإقدام والامساك بزمام المبادرة والرد المدوي على اسرائيل في جليّة النهار، والاهم بالنسبة الى الدوائر إياها انهما أتتا في لحظة بدت فيها الادارة الاميركية بفعل التجربة العملية والبرهان انها أوقفت هجمتها على طهران التي أخذت تتصرف في وجه من اعلنوا الحصار الخانق عليها تصرّف القادر والمستعد للمضي الى اسوأ الاحتمالات، وفي لحظة بدت فيها روسيا وقد بادرت الى تجاوز الخطوط الحمر التي رُسمت في وجهها منذ اعوام في الساحة السورية. وفي استنتاج هذه الدوائر ان الامور سارت وفق ما يرتضيه الحزب.

ويبقى الاهم بعد ذلك، ماذا بعد؟ واستتباعاً كيف سيوظف الحزب هذا “المكسب” الذي توافر له؟

لاريب ان بعض الخبراء يتبنى نظرية ان ما شهدناه منذ الاحد ما قبل الماضي هو في خاتمة المطاف “مواجهة تحريك محسوبة بدقة” للبحيرة الراكدة، محدودة الاثر والتأثير، ويحتاج اليها طرفا الصراع والمواجهة في وقت واحد، وقد انصرف كل منهما الى الاستفادة منها كل على طريقته ووفق اسلوبه. وفي وقت يروّج الكيان العبري لنظرية خديعة الحزب ميدانياً (العربات العسكرية الفارغة)، فان الحزب كان يحتاج اليها لانه وجد فيها مادته للرد على اولئك الذين يقولون إن سلاحه قد علاه الصدأ لقلة قدرته على استخدامه وتوجيهه نحو عدوه الاساس. وبين هذا وذاك ثمة نظرية بدأت تسري أخيراً فحواها ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو كان مجبراً على بعث هذه الرسالة عبر لبنان الى واشنطن، وجوهرها ان عليها ألّا تنساه وهي تستعد لمحاورة طهران، لأنه قادر على قلب الطاولة في وجه الجميع ساعة يستشعر الحاجة الى ذلك. وعلى رغم ان الحزب لا يخفي انه قد نجح في فتح ابواب جديدة كانت موصدة في وجهه، إلا ان ثمة من يرى انه اكثر حكمة من ان يؤذي معادلة الاستقرار الداخلية المؤاتية له، وان يزن التعامل معها بميزان الذهب.

اضف رد