منارات بغداد وأطيافها

 إبراهيم نصر الله
القدس العربي
21022019 

أهل بغداد أدرى بشعابها، لكن زائرها يمكن أن يدري أيضاً وهو يتلمس قوة الحياة فيها، ولعل أجمل وأرقى مكان يمكن أن نلتقط فيه جوهر الحياة يتمثل في اجتماع الناس في معرض للكتاب، صغاراً وكباراً.
يلتقي في بغداد الكهول والشباب والأطفال، وما بين هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء، في معرض تتجاور فيها الكتب المتعارضة بأفكارها، على رف واحد أحياناً، وأحياناً في دور نشر متلاصقة، وهو ما لا يحدث مع الاتجاهات السياسية بأحزابها وطوائفها! ويلتقي الناس أيضاً، ولا شيء يهمهم سوى ما تحتضنه الكتب، إن كانوا معه، أو كانوا مخالفين له، فأن تكون في معرض للكتاب فهذا يعني أنك تريد أن تعرف أكثر، فالذين لا يحبون الكتب، ويكرهون الأغاني وفائض الفرح أو بعضه في وجوه الناس، إن مرّ هذا الفرح بملامحهم، لا يأتون إلى معارض الكتب.
كل أولئك الذين يعتبرون البندقية هي النص الوحيد لا يأتون إلى المعارض، كالسيف الذي تغنى به شاعرنا أبو تمام، قائلاً: (السيف أصدق إنباءً من الكُتُبِ.. في حدِّه الحدُّ بين الجِدِّ واللعبِ) كان فيه الشاعر يكذّب قصيدته، وينفي نفسه، فلم يكن السيف جِدًّا وحيداً، ولم تكن الكلمة لعباً. رغم أن كثيراً من شرّاح القصيدة يفسّرون (الكتب) بأنها رؤى المنجّمين، ولكن.. أليس كل كتاب حقيقي رؤية وحلماً واستشرافاً؛ ولذا لن أصدّق أبا تمام في بيت شعره ذاك، فقد وقع الشعر العربي في مثل هذه الأبيات القاطعة قبل أبي تمام وبعده.
أجمل ما في بغداد، لم يزل المتنبي، وأبو نواس، وجدارية جواد سليم، وأطياف فائق حسن، وغائب طعمة فرمان، ورافع الناصري، ونازك الملائكة، وبدر شاكر السّياب… واندفاع الناس بكل ما فيهم من شغف نحو شارع المتنبي بما يحتضن من منجزات فكرية، وكأن الكتب هي الأرغفة الأخيرة الباقية على سطح الأرض، والتقاط الصور بجوار تمثال صاحب:
مَا لَنَا كُلُّنَا جَوٍ يا رَسُولُ..
أنَا أهْوَى وَقَلبُكَ المَتْبُولُ
كُلّما عادَ مَن بَعَثْتُ إلَيْهَا..
غَارَ منّي وَخَانَ فِيمَا يَقُولُ
في محاضرة الكاتب البرتغالي أفونسو كروش، في المعرض، وهو واحد من أجمل الكتّاب، قال: في الحرب العالمية الثانية صدر قرار بإلغاء وزارة الثقافة، وجاء الردّ من الناس: إذا أغلق العالم وزارات الثقافة فعن أي شيء سندافع؟!
الشعب العراقي يدافع عن الثقافة ويضع نفسه في خط دفاع أول لحمايتها باندفاعه نحو الكتب والكتّاب، لأنه يدرك أن لا خط دفاع آخر خلفه إن خسر هذا الخط.
.. وأكثر ما يدهشك في المعرض أن نسبة عدد كبار السن عالية، ونسبة عدد الرجال أيضاً، ففي عواصم كثيرة لا نلمح هذا، فكأن (الرجال الرجال!) تركوا هذه المهمة الهامشية لبناتهم وزوجاتهم وأخواتهم وحدهنّ!
لكن الشباب حاضرون، كما في أي مكان في عالمنا العربي، حين يتعلق الأمر بالكتب، فتيات وفتية، وكلما تحدثت مع إحداهن، أو أحدهم، وجدت وعياً رائعاً ومعرفة بالثقافة ومنتجيها.
ما الذي يجعل هؤلاء يتدفّقون من مختلف المدن نحو معروضات دور النشر باحثين عن أجمل ما فيها، هؤلاء الذين لم يعيشوا حروب العراق مباشرة، بل اكتووا بما تركته لهم من ذكريات في الإطارات المعلقة على حيطان منازلهم وفي حنايا قلوبهم وصفحات أرواحهم؟
ثمة جيل يريد أن يعيش مثل كل البشر، في واحد من الأوطان التي عاشت سنوات طوالاً من الحروب، ربما تكون أطول من حروب عاشتها بلدان كثيرة ويطلق عليها اسم: عالمية.
إلى الذين يترددون في المشاركة في فعاليات معرض بغداد أقول: اذهبوا إلى هناك لكي تكتشفوا كم يحبكم الناس، كم هم متلهّفون للقائكم، في الندوات وحفلات التوقيع، والشارع، وفي فيض الصور التي يلتقطونها معكم، الصور التي لا يلتقطونها إلا مع من يشبهونهم.
تذهب إلى بغداد لتطمئن على جدارية جواد سليم، إنها بخير، وعلى المتنبي والسيّاب وأبي نواس، إنهم بخير، لا لأنهم (محفوظون) في غرف مغلقة أو متاحف، بل لأن الناس يصرّون على ذلك، ويتمسّكون بذلك. في مائة متر تسيرها في بغداد، سترى حوانيت متجاورة، كلها تصرّ على ألّا يكون العراق بلون واحد عبر ما تعرضه من بضائع. وفي السوق الشعبي قرب ساحة التحرير، سترى كل شيء في واجهات المحلات والبسطات، وهو مشهد يحتاج إلى تأمل طويل، لكن البائع الذي يصيح بأعلى صوته لا يدعو الناس لشراء بضاعته وحسب، بل يريد أن يقول إنني هنا، وإنني مصرٌّ على الحياة.
في بغداد تلتقي أجيالاً جديدة من الكتّاب والفنانين، تلتقي الأحياء، كما تلتقي أطياف الراحلين، تلتقي، وتُهْدى لك رواية علاء مجذوب: الرواية التي قتل صاحبها بثلاث عشرة رصاصة، وتفكر: بأي أحاسيس ستقرأ رواية قُتِل صاحبها وهو عائد من أمسية أدبية إلى منزله؟
في بغداد تتجول صحبة الروائي النبيل أحمد سعداوي، تلتقي صدفة مع آخر الأصدقاء القدامى، وتهاتف ذلك الذي أضحى بعيداً عن بغداد.
لم يزل نهر دجلة عبر بغداد يجري، ويمنحها أشجاراً جديدة، وأجيالاً جديدة، رائعة: في حبها للجمال، وفي إيمانها به.. وتبقى البذور الصغيرة دائماً هي أمّ الحقول وأم البساتين وأم الخُضرة، وأم الظلِّ الذي لا يحمي رأس من يجلس تحته وحسب، بل يحمي قلبه وروحه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*