ملعونٌ كلّ مَن يكسر حجر الكودورو البابلي

محمود الزيباوي|الإثنين25/03/2019
Almodon.com


الوزير البريطاني يسلّم الوزير العراقي القطعة الأثرية المُصادَرة

أعادت الحكومة البريطانية إلى السلطات العراقية أخيراً، أثراً بابلياً يبلغ عمره أكثر من ثلاثة آلاف سنة. وفي احتفال أقيم الثلاثاء الماضي، سلّم مدير المتحف البريطاني هارتفيغ فيشر، هذه القطعة الثمينة إلى السفير العراقي لدى بريطانيا، صالح حسين علي، وقال في هذه المناسبة: “إنها قطعة مهمة جداً من الإرث الحضاري العراقي”، مثمّناً “الجهود الاستثنائية والدؤوبة” لمسؤولي الجمارك في مطار لندن.

في العام 2012، ضبط مسؤولو الجمارك هذه القطعة الأثرية في مطار هيثرو، حيث قال حامله إنه حجر من تركيا، وقيمته لا تتجاوز 330 دولاراً أميركياً، لكن تبيّن لهم أن الوثائق التي أبرزها زائفة، فاتّصلوا بالمتحف البريطاني، ونقلوا إليه الحجر، واتضّح أنه من النوع البابلي الذي يُعرف بـ”الكودورو”، وأن قيمته تقدّر بمئات الآلاف، وأنّه قد يفقد في السوق السوداء المتخصصة في آثار الشرق الأوسط، فصادروه، وحجزوه في المتحف لدراسته بشكل متأنّ.

يُعتبر الكودورو شكلاً من أشكال الآثار الخاصة ببلاد ما بين النهرين، وهذه التسمية أكادية، وتعني أحجار الحدود، أو أحجار تثبيت حدود الأملاك والعقارات، وهي على شكل أنصاب لا يزيد طولها على المتر الواحد، تثبّت في الأرض لتعيين الحدود بين مقاطعة وأخرى. ولها نسخة ثانية تودع في معبد المدينة، وتمثّل وثيقة لحقوق مالك الأرض الذي يدوّن فيها اسمه واسم واهب الأرض له. من هنا، يمكن القول إن الكودورو هي بحسب تسميتها “الحد” أو “التحديد”، إلا أنها بالدرجة الأولى تمثل سجلات خاصة بقطائع الأراضي الزراعية.


أربعة أنصاب كودورو من محفوظات المتحف البريطاني ومتحف اللوفر

وصلنا من هذه الأنصاب أكثر من مئتي قطعة، توزّعت على متاحف العالم، منها عدد كبير خرج من مدينة سوسة التي تُعرف اليوم باسم شوشان، وهي مدينة تاريخية كانت عاصمة الامبراطوريات العيلامية والبارتية، وإحدى أهم مدن الشرق الأدنى القديم. تقع في محافظة خوزستان في إيران، في أدنى جبال زاغروس، وتبعد حوالى 250 كلم شرقي نهر دجلة، وتعتبر من أهم مدن العالم القديم. 

والكودورو، كتلة حجرية مستطيلة غير منتظمة الشكل، ذات قمة مستديرة أحياناً، يبلغ ارتفاعها قدماً إلى قدمين، تحمل رموز الآلهة التي منحت الأرض أو وضعت الحدود تحت حمايتها، كما تحمل أحياناً صورة الحاكم الذي قدم المنحة. تنتصب هذه الكتلة في وضع قائم كمسلّة، وتحوي في القسم الأعلى طائفة من النقوش تمثّل الآلهة التي غالباً ما استُعيض عنها برموزها، ومنها قرص الشمس الذي يرمز للإله شمش، والهلال الذي يرمز للإله سن، والمجرفة التي ترمز للإله مردوخ. تحل الكتابة المسمارية في القسم الأسفل من كودورو، كما في ظهره، وهي أشبه بنص قانوني مطوّل يحمل اسم صاحب القطعة والامتيازات الممنوحة له، ويحدّد مساحة الأرض الخاصة به، وأسماء الشهود، ولعنات الآلهة التي تأتي في الختام، وتنصبّ على مَن يكسر الحجر أو يُحوّر نصه.

دخلت حجار الكودورو باكراً، المتاحف الأوروبية، وأقدمها حجر حمله إلى فرنسا العالم النباتي أندريه ميشو في 1785، وكان قد عثر عليه في موقع قطيسفون الأثري، عند الضفة الشرقية لنهر دجلة قرب بلدة المدائن التي تُعرف حاليا باسم سلمان باك، على بعد 35 كم جنوب شرقي بغداد. وأحصى أهل الاختصاص أكثر من ستين كتلة من كتل الكودورو تحمل تاريخاً دقيقاً، وأتّضح أنها استُخدمت في الفترة الممتدة من القرن الرابع عشر إلى القرن السابع قبل المسيح.


“قطعة مهمة جدا من الإرث الحضاري العراقي”

أعادت الحكومة البريطانية إلى السلطات العراقية، حجراً من حجار الكودورو لم يكن رجال الآثار يعلمون بوجوده إلى أن ضُبط في مطار هيثرو، ولم تتّضح بعد الكيفية التي هُرّبت بها هذه القطعة من العراق، واكتفى الوزير البريطاني بالقول: “نعتقد أنها سرقت قبل 15 عاماً أثناء الفوضى التي كانت تعم العراق”. يبلغ طول هذا الكودورو أربعين سنتيمتراً، غير أن خبراء في المتحف البريطاني يؤكّدون أنه أطول في الأصل، إذ ان ثلثه الأسفل قد تُلف. يحتوي الحجر على عمودين من النصوص المدوّنة بالكتابة المسمارية، وتصعب قراءة هذه النصوص بشكل دقيق لأن الحجر مكسور، والجزء المركزي منه متآكل، والأكيد أنه كان مثبّتاً في أحد المعابد في الأصل، لأن سطوره الختامية تتضمّن لعنة إلهية لحمايته. 

ورأى خبير الآثار، جوناثان تايلور، أن الكتابة المنقوشة على هذا الحجر تشير إلى “إهداء قطعة أرض من الملك نبوخذ نصر الأول إلى أحد مواطنيه كمكافأة لخدمته المتميزة”، كما أنها تحتوي أيضاً على “لعنات شديدة” لكل من يحاول الاستيلاء على الأرض المذكورة فيها أو يحاول اتلاف اللوح نفسه. من جهة أخرى، تحدّث الخبير عن الرسوم التي تكسو وجه الحجر، وقال إنها ترمز إلى الآلهة البابلية أنليل وغولا ومردوخ. وتولّى نبوخذ نصر الأول السلطة سنة 1126 قبل الميلاد، واستمرّ في الحكم حتى سنة 1103 بحسب قائمة الملوك البابليين، وقد طرد العيلاميين الذين أسقطوا سلالة أور الثالثة، واشتهر بعبادته للإله مردوخ. 

والإله مردوخ هو الأعظم شأنًا بين الآلهة البابلية الكبرى، لا يدانيه أحد، فأمره نافذ لا يُرَد، وهو المعز وهو المذل حين يشاء، كلمته العليا، وقوله لا يخيب، وما من إله يقارب حدوده. وهو من اقترح بناء بابل لتكون مقرًا لملكه وبها قدس الأقداس، فوافقته الآلهة على هذا، كما تقول قصة الخلق البابلية “إنوما إليش”، أي “حين في الأعالي”. كذلك، يذكر النص المدوّن في الكودورو، مراراً، مدينة نيبور التي تُعرف أيضاً كذلك باسم نفر، وهي العاصمة الدينية للسومريين والبابليين، وتقع في الضفة اليمنى من مجرى الفرات الأقدم، على مسافة سبعة كلم شمال شرقي مدينة عفك، في محافظة القادسية. 

في الخلاصة، يعود هذا الكودورو إلى زمن نبوخذ نصر الأول، ومصدره الأصلي على الأرجح مدينة نيبور أو نواحيها، كما يرى الخبير في المتحف البريطاني جون سمبسون. وهو أثر فني مهم، كما هو أثر تاريخي يشهد لفصل من فصول تاريخ بلاد الرافدين الموغل في القدم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*