الرئيسية / home slide / ملحمة الليرة وآثار تبديد السياسات المالية

ملحمة الليرة وآثار تبديد السياسات المالية

29-07-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

مروان اسكندر

مروان اسكندر

Bookmark
أضف للمفضلة
الدولار (تعبيرية).

اللبنانيون مشغولون ب#سعر صرف الدولار، وتفارق السعر يومياً في السوق بمعدّلات قد تبلغ في اليوم نسبة 40-50%، وهذا أمر يسهم في التضخم الحقيقي وتقييد غالبية العائلات على تحمّل أعباء نفقات العائلة سواء للانتقال، أقساط الاولاد، العلاج الطبّي والصحّي، الإيجارات، الضرائب البلدية والاستهلاكية الخ.

حتى عام 2019 كانت أسعار صرف الدولار متماسكة الى حد ما حتى تاريخ إقرار حكومة حسان دياب عدم دفع فوائد دين ما سُمّي إصدار اليورو دولار، وكان الامتناع في آذار من ذلك العام، وفي ذلك التاريخ كل مساهم في ذلك الإصدار كان قد حصل على 80% من أصل توظيفه وكان قد حقق مردوداً أفضل من المساهمين في إصدارات أميركية لفترات متوازية.

تقوّضت سمعة لبنان بسبب قرار حكومي بالغ الغباء وأصبح مصرف لبنان مرتكز الانتقادات علماً بأن مصرف لبنان يستطيع السيطرة على سعر صرف الدولار ضمن حدود معيّنة إن كانت السياسة المالية، أي أرقام الميزانية لا تحمل عجزاً واسعاً، ونفقات الميزانية تخصّص لأغراض إنمائية واجتماعية وتعليمية الخ… لكن عجز أرقام الميزانية كان دائماً على مستوى 10-12% من الدخل القومي وهذه نسبة بالغة الارتفاع، ومن المناسب التذكير بفترة ولاية إدمون نعيم لحاكمية مصرف لبنان.

عام 1982 اختار الرئيس أمين الجميّل الدكتور إدمون نعيم الذي كان يدرّس القانون في الجامعة اللبنانية ليتولّى حاكمية المصرف، وكان الرجل معروفاً بصرامته، وميوله اليسارية، ولم يكن له علاقة بعالم المال.

حينما تولّى إدمون نعيم حاكمية مصرف لبنان كان سعر صرف الليرة 4 ليرات للدولار وحينما انتهى عهد حاكميته كان سعر صرف الليرة للدولار على مستوى 880 ل.ل للدولار أي إن السعر انخفض بنسبة 2000%، وحلّ محل إدمون نعيم ميشال بشارة الخوري الذي كان محامياً والذي أكد أن البنك المركزي سيحافظ على سعر صرف الليرة عند المستوى المساوي لـ880 ل.ل لأن احتياطيه يكفي للمحافظة على هذا المستوى.

تصدّيت بتاريخه لتأكيد الحاكم الجديد وكتبت في النهار أن القدرة على تجميد سعر صرف الدولار غير متوافرة خاصة بعد خروج القوات الفلسطينية من لبنان عام 1982 وانحسار إنفاقها.
سارع الحاكم الى إصدار بيان مختصر أكد فيه ضرورة ابتعاد غير الملمّين بالشأن المالي عن التعليق المؤذي، وكنت بتاريخ صدور بيان الحاكم عضواً من 8 أعضاء طلبت منهم حكومة المرحوم عمر كرامي وضع دراسة واستغرق عمل الفريق 6 أشهر وصدرت أفضل دراسة حتى تاريخه حول الإجراءات المطلوبة للحفاظ على قيمة الليرة الشرائية واستقرارها تجاه الدولار.
طلب مني الرئيس كرامي، الذي كان زميلي في الدراسة الثانوية وصديقي، أن أسلم نصّ الدراسة بتاريخ 4 أيار 1992 للحاكم فقلت له إن الحاكم لن يستقبلني، فهاتف عمر كرامي ميشال الخوري وقال له: مستشاري مروان اسكندر يحمل تقرير اللجنة المكلفة بدراسة الوضع النقدي والمالي فأرجو استقباله حالاً.

بالطبع ميشال الخوري استقبلني على مضض واستمع الى توصيات تقرير اللجنة المكوّنة من 8 خبراء غاب عنّا منهم ثلاثة حتى تاريخه، ولم يقدم على أيّ من الخطوات المقترحة، وبعد يومين احتلت التظاهرات الشارع البيروتي وكان سعر صرف الليرة على الدولار قد تجاوز الألفين، فاستقالت الوزارة وبعدها بثلاثة أشهر استبدل ميشال الخوري كحاكم برياض سلامة بعدما كانت الليرة قد بلغت مستوى 2750 ل.ل للدولار.

الحاكم الوحيد الذي تولّى هذا الدور بنجاح كان قبل معالجات رياض سلامة في أحرج الأوقات، الرئيس الياس سركيس الذي تولّى الحاكمية منذ 1968 حتى انتخابه رئيساً عام 1976. والياس سركيس سيّر الأمور على أفضل نحو ممكن خلال فترة السيطرة السورية واستطاع حتى قبل اندلاع الحوادث وإن كانت الصدامات مع الفلسطينيين متقطعة ومقلقة، شراء مليوني أونصة ذهب قبل تعليق القاعدة الذهبية التي أقرت عام 1944 في بريتون وودز وبموجبها تعهدت الولايات المتحدة بتسليم أيّ بلد يتمتع بفائض من الدولار أونصات ذهب بسعر 35 دولاراً للأونصة.

رياض سلامة عالج مواضيع النقد بحرفية لأنه تولّى الحاكمية بعد مسيرة طويلة وبالغة النجاح مع شركة ميريل لينش الدولية وهو عاصر تفلت السياسات المالية الأميركية منذ أواسط التسعينيات حينما ألغي قانون كان يحظر على بنوك الأعمال القيام بأعمال مصرفية تجارية كما كان يحظر على البنوك التجارية الاشتراك في عمليات التمويل لمشاريع جديدة أو زيادة التسهيلات لشركات قائمة، وبيع الأسهم.

القانون الذي ألغى القانون السابق وفتح مجال المضاربات لبنوك الأعمال وللبنوك التجارية أقر في وقت تولّى فيه رئاسة البنك المركزي في الولايات المتحدة آلان غرينسبان وكان هذا الرجل بعيداً عن الاقتصاد والعمل المصرفي، وكان يدّعي حصوله على الدكتوراه في علم الاقتصاد وأنه أنجز أطروحة متوافرة في خزائن مكتبة جامعة كولومبيا، لكن البحث عن الأطروحة لم يجد نفعاً. فغرينسبان لم يكن دكتوراً وهو اعتمد إطلاق تصاريح يصعب تفسيرها وأصبحت كلمته الأوسع تأثيراً على الأسواق المالية، وكان لسياساته تأثير كبير على غالبية البنوك المركزية عالمياً. فالدولار في ذلك الوقت كان يمثل نسبة 85% من حجم التجارة العالمية واليوم تقلص هذا الدور مع توسّع دور اليورو والعملة الصينية والين الياباني الذي أصبح مهدّداً في قيمته التي انخفضت تجاه الدولار بنسبة 10% بعد اغتيال شيزو ابي، رئيس وزراء اليابان منذ عام 2012.