الرئيسية / home slide / ملامح النظام الإقليمي واضحة لكنه يحتاج إلى وقت

ملامح النظام الإقليمي واضحة لكنه يحتاج إلى وقت

06-07-2022 | 00:25 المصدر: “النهار”

سركيس نعوم

سركيس نعوم

أعلام إيران في جنوب العاصمة طهران (أ ف ب).

معالم النظام الإقليمي الجديد في #الشرق الأوسط صارت واضحة. علماً بأن تكريسه باتفاق رسمي أو واقعي لا يزال يحتاج الى وقت، أولاً لأن الخلافات بل الاشتباكات السياسية الإقليمية لا تزال مستمرّة رغم محاولة قوى عدّة أساسية في المنطقة التخفيف من حدّتها والتمهيد لمرحلة انتقال الأخيرة الى هدوء تحتاج إليه. في هذا المجال يُمكن الإشارة الى المبادرة التي قام بها رئيس وزراء العراق الدكتور مصطفى الكاظمي يوم نجح في جمع المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية ال#إيرانية في بغداد، ويوم كرّر هذا “الجمع” خمس مرات أو ربما ستاً. صحيح أن البحث بين العدوّتين اللدودتين لم يتطرّق الى القضايا الخلافية الأساسية، واكتفى بالبحث في الأسباب التي أدّت الى إقفال السفارة السعودية في طهران وانقطاع العلاقات الديبلوماسية بينها وبين إيران. لكن الصحيح أيضاً أن الانتقال من هذا النوع من البحث الى القضايا الخلافية الفعلية والجدّية والعميقة يستحيل أن يبدأ قبل نضوج الواقع الإقليمي بدوله المتعادية، وقبل نضوج الواقع الدولي بالخلافات المستحكمة بين دوله التي ضاعفتها حرب روسيا على #أوكرانيا وعودة العالم الى الحرب العسكرية غير المباشرة بين روسيا والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والى محاولة أعداء الثانية ومنافسيها التفاهم على صيغة تفرض عليهم قبول وضع مختلف أو صيغة مختلفة لنظام عالمي جديد يقوم إما على تعددية القطب، وإما على انقسام حادّ يعزّزه ستار حديدي أو أكثر وعودة الصراع الدولي السياسي والإيديولوجي والعسكري والمصلحي ولكن بالواسطة تماماً مثلما كان يحصل بين الاتحاد السوفياتي قبل انهياره وأميركا في الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية وغيرها.

في المجال نفسه يمكن الإشارة أيضاً الى تحرّك المتخاصمين في العالم العربي بعضهم في اتجاه بعض رغبة منهم في إنهاء خلافاتهم أو على الأقل تقليصها استعداداً لمواجهة المرحلة العالمية الصعبة الراهنة وتطوّراتها ثم انعكاساتها عليهم جميعاً. في هذا الإطار يجب وضع زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لتركيا أردوغان بعد خصام قوي ثم لمصر، وزيارة رئيس دولة قطر الشيخ تميم بن خليفة مصر بعد قطيعة بينهما بدأت عام 2015. أخيراً يمكن وضع “اتفاقات أبراهام” بين إسرائيل والمغرب والإمارات والبحرين والسعي المستمر الى إقناع العربية السعودية بالانتقال من التعاون غير المعلن وغير الرسمي على صعد عدّة مع إسرائيل منها الأمن والدفاع، كما يمكن وضع اللقاء الذي تقرّر أن ينعقد هذا الشهر في السعودية بين الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس مصر وملوك السعودية والأردن والبحرين ورؤساء دول الإمارات وقطر والكويت. وهو يُفترض أن يناقش ويعالج قضايا عدة أهمها أزمة النفط والغاز والغذاء بعد حرب روسيا على أوكرانيا، والعلاقة المتأزمة بين الرياض وواشنطن وخوف “الخليج العربي” من تخلّي أميركا عنه لاقتناعها بضرورة بدء مواجهة فعلية وحازمة لكن غير عسكرية مع الصين. هذا فضلاً عن استمرار التفاوض الأميركي – الإيراني غير المباشر وإن بتقطّع والذي لا بد أن تقرّر نهايته شكل النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط وأقطابه وهويته الفعليين. فإن كانت إيجابية يصبح أقطاب هذا النظام معروفين وهم إيران وتركيا وإسرائيل. أما إن كانت سلبية فإن المنطقة ستبقى من دون نظام إقليمي، ويعني ذلك استمرار تخبّطها في الفوضى والحروب بالوكالة والخراب والدمار، وستنتظر ظروفاً أفضل لقيامه. التأخير في هذا الأمر لن يغيّر من هويّة أقطابه الأساسيين وهم الثلاثة المذكورون أعلاه تركيا وإسرائيل وإيران. في هذا المجال لا بدّ من الإشارة الى أن إسرائيل بقوّتها وتفوّقها العسكريين وبحداثة دولتها وإمكاناتها التكنولوجية والصناعية العسكرية والمدنية، وإيران بوجودها الفاعل في اليمن ولبنان وسوريا وغزة والعراق ضمنتا موقعيهما في النظام المرتجى أو المرتقب. أما تركيا فموقعها داخله مضمون أيضاً لكن رئيسها أردوغان يحاول أن يعزّز أوضاعاً له مع أميركا وروسيا وغيرهما كي يكون ندّاً لشريكيه في النظام المرتقب. في هذا المجال يمكن الإشارة الى ضغطه على حلف شمال الأطلسي لإقناع فنلندا والسويد بوقف دعم أكراد بلاده اللاجئين إليهما هرباً من قمعه والمستمرّين في نضالهم هذا ضدّه بل ضدّ تركيا. وقد أثمر هذا الضغط لأنه من دونه لن تستطيع الدولتان الانضمام الى حلف شمال الأطلسي الذي يحتاج إلى موافقة إجماعية لأعضائه على ذلك. ومع روسيا يمارس أردوغان سياسةً مفيدة له إذ يقول لها لا تضغطي عليّ فأنا أفعل وسأفعل ما أستطيع لمساعدتكِ. وفي مقابل ذلك يجتذب السيّاح الروس الى بلاده. أما مع إسرائيل فقد بدأ يعدّ نفسه للمرحلة المقبلة مرحلة النظام الإقليمي، إذ تحسّنت علاقته وبلاده معها، علماً بأنها مستمرّة منذ سنوات كثيرة، وهما الآن في صدد بحث إعادة التبادل الديبلوماسي بينهما على مستوى السفراء. أخيراً فإنه يحاول الإفادة من كل ذلك بتحقيق أهدافه السورية.

في النهاية، المذكور أعلاه كله جزء من حقائق لا يمكن إنكارها. لكن ترجمتها النهائية وتحديداً في تفاهم دولي صعبة حالياً من جرّاء الانقسامات الحاصلة في العالم وحرب أوكرانيا وما سبّبته من انقسامات وتكتلات تحتاج الى وقت لإنهائها. فهل تستطيع الدول المهترئة والواقفة على عتبة الانقراض مثل لبنان الانتظار أم تحتاج الى لفتة جدّية من شقيقاتها العربيات ومن المنطقة والعالم؟ وهل ستحصل على هذه اللفتة؟