الرئيسية / home slide / ملاحظات في اليأس السياسي

ملاحظات في اليأس السياسي

1- تفكيري يذهب كلما ازداد الوضع اللبناني تدهورا جديدا، أو مسافة جديدة داخل البئر الجحيمي العميق، إلى الأزواج الشباب وخصوصا آباء وأمهات أطفال أو فتيان كيف سيقومون بأعبائهم المعيشية والمدرسية ضمن التقاليد المتوارثة لإحدى أنجح وأذكى الطبقات الوسطى العربية إنْ لم تكن الأنجح، هي الطبقة الوسطى اللبنانية.

ماذا سيفعل آباء وأمهات الطبقة الوسطى اللبنانية بكفاءاتهم في حسن التدبير، الكفاءة التي لم تثبت نفسها في لبنان فقط بل انتقلت أيضاً منذ حرب 1975 لتؤكد حضورها المميّز في أكبر عواصم الغرب والمنطقة وهذا ثابت من حيث السمعة والمواقع في مدن كباريس ولندن ونيويورك وواشنطن ناهيك طبعاً عن مدن مثل دبي والكويت وغيرهما. وهي في طور التحسّن في دول أخرى خصوصا مع انتقال الهجرة إلى الجيل الثاني.

كيف سيعثر الأزواج الجدد اللبنانيون من متخرجي الجامعات على المسكن اللائق والمدرسة المناسبة لأبنائهم ولاحقاً الجامعة المناسبة وكيف سيديرون حياتهم كما أدرناها نحن جيل السبعينات تحت الخطر اليومي عندما كنا في الحرب الأهلية.

تفكيري يذهب إلى نخبة 17 تشرين من عشرات آلاف الشباب المتنورين الذين نجحوا لا فقط في تظهير وجود هذا الجيل المتميّز بثقافته ورؤيته السياسية العملية والحديثة بل أيضا في اختراق اسوار الطائفيّات المغلقة بكل أنواع الآلهة المزيفة وجر مئات الألوف من الفقراء والعاطلين عن العمل إلى الشارع الاحتجاجي حتى لبدا لبنان في تلك الأيام من أيام أواخر 2019 وكأنه يشهد أعجوبة ولادة تيار ضغط واحد وموحد من النبطية إلى صور إلى حلبا مرورا بصيدا وبعقلين وبيروت وزحلة وبعلبك وجل الديب وطرابلس. لكن الأعجوبة، ككل الأعاجيب، لم تقع ولم تنطلق “روح النبيذ بالغناء في القناني” بعكس ما توقّع شارل بودلير في قصيدة رائعة ذكّرنا بها “فريند” ذوّاقة على الفايسبوك أمس الأول، وإذا بهذا الجيل أمام نظام شرس يدير دولة باتت تافهة يواجه أعنف أزمة اقتصادية ناتجة عن سلوك طبقة سياسية مرتهنة وفاسدة.

لن يتردد هذا الجيل في السعي للهجرة. ولا أظن أنه يحتاج إلى نصيحة بهذا الشأن. هناك بالتأكيد وظيفة تنتظر كل في بلاد الهجرة كل كفاءة لبنانية لا تزال مقيمة.

2- توصيف السفيرة الأميركية للطبقة السياسية لا يقل ثوريةً عن توصيف ثوار 17 تشرين. توصيفها لفساد هذه الطبقة المتعددة الطبقات هو عنصر دعم للقيم التغييريّة في الحياة العامة اللبنانية. هكذا هو موقف السفراء الغربيين وفي مقدِّمِهم السفير الفرنسي. من حسن الطالع أن الحركة التغييرية رغم المهمة المستحيلة التي تواجهها في سعيها لإسقاط كل هذه الطبقة تكسب عقول السفارات الغربية في البلد فكيف عندما يكون لهذه السفارات مصلحة في العزف والضرب على وضع إقليمي لا يكف عن استخدام خطر جدا للبنان بما يظهر بوضوح أخيراً أنه لا طاقة له أي للبنان على تحمُّلِهِ. إنها كلها سفارات دول ناجحة ومحترمة من حيث هي دول احترام القانون.

لا ينتهك السفراء السيادة اللبنانية لأنه لا يمكن انتهاك ما هو غير موجود. كل يوم ينتهك الفسادُ والفئويةُ والفحشُ الطائفي تحت، أي مبرر كان، سيادَتَنا الصورية. كل يوم يعهِّر الفساد حياتَنا العامة بما يجعل البذاءة هي الصفة الرئيسية للغة السياسية اللبنانية.

3- الشتائم، وهي الموضوع الذي يشغل ما يعتقده عددٌ من حاملي المناصب العامة أنه غير قانوني، هي في أساس الاحتجاج الديموقراطي. ديموقراطية بلا شتائم هي ديموقراطية ناقصة. ماذا تريدون من أنظف ظاهرة في الشارع اللبناني، المليئ بالظواهر، وهي ظاهرة 17 تشرين، أن تفعل أمام تجمّع فاسدين مكشوف أوصلونا إلى ما وصلنا إليه؟!

4- في حوار مع كادر مصرفي قدير قال إن الأموال التي يملكها المصرفيون في الخارج، لا يمكن أن تعود إلى لبنان إلا إذا اطمأنت المصارف إلى الحل العام الذي تطرحه الدولة وشاركت فيه. مع احترامي لرأي هذا الكادر، فهو يعرف والكثيرون يعرفون أن ما أصبح من أموال في الخارج، وخصوصاً تلك التي هُرِّبت منذ أيلول 2019 لسياسيين أو مصرفيين لن يعود بإرادة أصحابها. المشكلة، إضافةً إلى التركيبة السياسية اللبنانية الحامية عمليا لهذا التهريب الفضائحي، هي صمت بعض دول الودائع المصرفية في الخارج مما يجعل أقصى طموحنا الإعلان عن بعض الأرقام والأسماء. كيف يمكن خرق الصمت المريب حول الموضوع من دون قرار دولي كبير؟

تبقى ملاحظة هي أن جمعية المصارف ربما تعارض ما تسمّيه خطةُ الدولة “إعادة رسملة المصارف” لأن ذلك سيستوجب إعادة رساميلها أو بعضها من الخارج؟

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein