«مكتوب، حبي: أنترمتزو» لعبد اللطيف كشيش… عيون تتأمل أجساد النساء

نسرين سيد أحمد
القدس العربي
30052019 

كان ـ «القدس العربي»

عين تتمهل، تتأمل الجسد الفتي الناضج، تدنو منه، ثم تبتعد قليلا لتعود وتتأمله مجددا، عين تعانق تفاصيل هذه الأجساد وترغبها وتصور ما فيها من رغبة، هكذا يمكن أن نصف فيلم المخرج التونسي الفرنسي عبد اللطيف كشيش «مكتوب، حبي: أنترميتزو»، الذي تنافس على السعفة الذهبية في مهرجان كان في دورته الثانية والسبعين.
«مكتوب، حبي: أنترميتزو» فيلم متطلب، خاصة إن كانت تشاهده امرأة أو تكتب عنه امرأة، فهو فيلم يثير الكثير من التساؤلات، عن نظرة الرجل أولا لأجساد النساء، وعن نظرة الفنان لأجساد النساء. يكفي بداية أن نقول إن طيلة مدة الفيلم، التي تزيد على ثلاث ساعات، يشغلها تأمل لأجساد النساء، خاصة أردافهن المكتنزة، التي تتمايل وتهتز على وقع الموسيقى. يتبادر إلى الأذهان ونحن نشاهد الفيلم الكثير من الأسئلة: أتلك العين، وأقصد عين المخرج، عين متلصصة متطفلة؟ أم هل هي عين متغزلة فتنها جمال جسد المرأة؟ على مرّ التاريخ صوّر الرسامون والنحاتون جسد المرأة وتغزلوا في تفاصيله، فهل يكتب كشيش في هذا الفيلم قصيدة غزل صريح في جسد المرأة؟ كما في فيلم «المشاكسة الجميلة» لجاك ريفيت، يصبح جسد المرأة هو لوحة كشيش التي يكرس لرسم تفاصيله مدة فيلمه.
«أنترميتزو» هو الجزء الثاني من ثلاثية كشيش التي بدأها بفيلم «مكتوب حبي: الأغنية الأولى» (2017). يصحبنا كشيش في الجزء الأول في رحلة بزوغ وعي الصبي أمين (شاهين بومدين)، الذي يحمل الكثير من الشبه بكشيش، وإدراكه أن كتابة السيناريو والسينما هما أمله وهدفه وشغفه في الحياة. كان أمين في الجزء الأول الصبي الذين ينصت ويتأمل عن بعد، ينصت لأسرار النساء، خاصة أوفيلي (أوفيلي بو)، صديقة شقيقه، التي كانت تبثه شكواها وتقص عليه أسرارها. وفي الجزء الثاني يبقى أمين دوما في خلفية الحدث، صامتا متأملا، يتمعن في أجساد النساء، متعبدا في محراب جمالهن وأجسادهن المصقولة صقلا، ويمكننا القول إن عين أمين المتغزلة في صمت في أجساد النساء، هي عين كشيش ذاته.

يمكننا القول إن جسد المرأة يمثل هاجسا إبداعيا لكشيش، والتعبير عن هذا الجسد بكل ما يثيره من رغبات، وما يحمله من شهوات يشغل حيزا كبيرا في عالمه الإبداعي

إنها أواخر أيام الصيف والعطلة عام 1994، حيث تبدأ أحداث الفيلم في سبتمبر/أيلول من هذا العام في عقد التسعينيات، بعد انتهاء الجزء الأول بأشهر قليلة. تدور أحداث الفيلم في مدينة سيت الساحلية في الجنوب الفرنسي، حيث يتجمع الشباب والفتيات على الشاطئ، ومنه ينتقلون إلى المرقص ليمضوا ساعات الليل. على الشاطئ نلتقي شخصيات ألفناها من الجزء الأول مثل توني (سليم كشيوش) وأوفيلي، ونلتقي شخصيات جديدة مثل إيميه (روميو دو لاكور) والشابة الباريسية الجميلة ماري (ماري برنار)، التي جاءت لتمضي أياما على الشاطئ قبل العودة للدراسة. يصحبنا كشيش وسط الضحكات والأحاديث الصغيرة، والنظرات المشتعلة رغبة، ومحاولات التودد للوافدة الجديدة واستمالتها للسهر، وتستمر مشاهد الشاطئ نحو نصف ساعة، ثم تنتقل الأحداث إلى المرقص والملهى الليلي، ولا تغادره إلا لدقائق معدودات قبل نهاية الفيلم.
«أنترميتزو» فيلم عن فورة الشباب وأوجه وعن تأجج الرغبة في الأجساد الفتية، عن أجساد نساء يعلمن أنهن جميلات وأنهن مرغوبات.
هي عين الفنان المتأمل في ملهمته، وعين الرجل التي تتغزل في المرأة. نظرات مقتحمة في كثير من الأحيان، نظرات ربما تختزل المرأة في أنها جسد، ولكنها عين الشباب الذين يمورون رغبة واشتهاء. «أنترميتزو» أيضا فيلم تشغله الذكرى والذكريات ومحاولة إعادة خلق زمن ولى. يعود كشيش إلى ذكرياته وإلى بدايات شبابه، فهو الصامت المتأمل دوما، الذي يشتهي والذي يتأمل النساء كما يتأملهن رسام يوشك على رسمهن. يصور أجواء المرقص بدقة بالغة، بين أجساد متعرقة، ورؤوس مخمورة لعب بها الشراب أغنيات تسعينية نألفها جيدا. ثم يأتي مشهد مطول للجنس، مشهد يركز فيه كشيش بفيتيشية واضحة على أوفيلي بو، وعلى صراحة المشهد مع جسد المرأة لا نشهد صراحة مماثلة مع جسد الرجل، في هذا المشهد المطول أو في غيره من مشاهد الفيلم. أهو إغفال متعمد لجسد الرجل، من رجل غيري الميل الجنسي لا تعنيه أجساد الرجال؟ هل لا يجد كشيش جماليات ليصورها في جسد الرجل؟ الكثير من التساؤلات يطرحها هذا الغياب لجسد الرجل في فيلم يحتفي بالشباب والرغبة.
يمكننا القول إن جسد المرأة يمثل هاجسا إبداعيا لكشيش، والتعبير عن هذا الجسد بكل ما يثيره من رغبات، وما يحمله من شهوات يشغل حيزا كبيرا في عالمه الإبداعي. جسد المرأة حاضر بقوة في فيلمه المتوج بالسعفة الذهبية في كان «الأزرق أدفأ الألوان» (2013) وتأوده على وقع الموسيقى بالغ الحضور في «كسكسي بالبوري» (2007)، واستنكاره لاستغلاله وتعنيفه وتحوله لسلعة، واضح جلي في «فينوس السوداء» (2010). لا نعلم كيف ستكون تتمة ثلاثية «مكتوب»، ولكن ما نكاد أن نجزم به أن جسد المرأة سيكون حاضرا بكل نضجه وطزاجته في جزئها الثالث.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*