“مقتلة”… بكل المعايير!


نبيل بومنصف
النهار
03092018

لسنا نغالي اطلاقا ان جزمنا بان لبنان ماض بأسرع مما يتصور الجميع الى درجات متقدمة اضافية وسريعة من التقهقر المفجع ما لم ينفجر شيء ما يوما يقلب مجمل هذا التراجع المدوي ويعيد هذا البلد الى مصاف البلدان الطبيعية لا أكثر في الحدود الدنيا. يستحيل ان تعثر في العالم على واقع سياسي مشابه لواقع “النخبة السياسية” اللبنانية من حيث القدرة المذهلة على انكار الواقع التراجيدي الذي يتخبط فيه لبنان. وقد يصح اعتماد عطلة الاسبوع الفائت عينة ناطقة وحية وصارخة في التعبير عن تجاهل الطبقة السياسية لمآسي الناس الى حدود مفزعة. قد تأخذ السذاجة بالبعض الى الظن باننا نعني الترهات والرتابة المملة في مخاض تشكيل الحكومة. اما المقصود فيتعلق بغياب اي تفاعل سياسي ورسمي مع انفعالات الناس حيال أحداث متفرقة لا يجمع بينها جامع الا الصدمة الجماعية كتلك التي اصابت اللبنانيين جراء مقتلة سير مخيفة حصلت على اوتوستراد المطار وذهب ضحيتها اربعة ضحايا بينهم محام وزوجته الحامل وسبعة جرحى. ومثل هذه المقتلة ايضا الضجة التي اثارها حادث دام ارتدى طابعا طائفيا عنصريا في برج حمود وأودى بلبناني ارمني وسوري كردي. ومثل الواقعتين ايضا وايضا عشرات الوقائع تمر مرورا عابرا حيال أسوأ ما يشهده مطار بيروت منذ قرر الرئيس رفيق الحريري ان يحوّله البوابة الاكثر تعبيرا عن نهوض لبنان فاذا بالمشهد السائد فيه منذ أسابيع يكاد يوازي المقتلة الانمائية والسياحية والخدماتية. ولا حاجة بنا الى التوغل نحو الذعر الذي اثارته تقارير اعلامية عالمية حول التدهور الاقتصادي والمالي المحتمل حتى لو قامت في مواجهتها ردود داخلية تعتبر انها تضمنت مبالغات وغلوا في غير مكانهما. فهل ما يرد في الصحافة المحلية والاعلام المحلي اقل خطورة واثارة للخشية مما يحتمل ان يحصل في حال لم يتم تدارك الزحف التصاعدي نحو الكوارث؟ لا يزال اللبنانيون يمنون النفس ببقايا آمال واهية او لنقل براهين اللحظة الاخيرة على ان مظلة ما لا تزال تمنع انهيار الهيكل اللبناني سياسيا واقتصاديا وماليا مثلما منعت سقوطه امنيا تحت عصف الارهاب وسواه من الاخطار الامنية. ومع ذلك اليس مذهلا ان يتسع الفارق الى حدود خيالية بين خطاب سياسي آخذ بالاغتراب حيال مآسي الناس وحقيقة اهتمامات اللبنانيين بعد اشهر قليلة جدا من الانتخابات النيابية؟ الى اين يتجه لبنان وسط اتساع ضفتي الغربة بين ممثلين عن اللبنانيين يشهرون عجزهم المخيف عن الإحاطة والاحتواء بمجموعة كوارث تتهدد لبنان والمواطنين الذين ستغدو نسب الفقر فيهم ساحقة ماحقة؟ ثم اذا كانت سلطات لبنان بأسرها عاجزة عن اضاءة اوتوستراد لمنع مقتلة كتلك التي حصلت قبل ايام او لمنع صدامات تنذر بأوخم التداعيات بين اللبنانيين والنازحين السوريين او عن معالجة أسوأ ازمة اختناقات بشرية وتنظيمية في المطار… فكيف ترانا سنأمن لتطميناتكم حيال الاستقرار المالي؟ ام ان المشهد الذي يقدم على مسرح الاستحقاق الحكومي يعفيهم من شرور شكوكنا الخبيثة وهم من الشكوك براء؟!

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*