مقتدى الصدر في بيروت منذ أشهر: هل هو في إجازة أم يمهد لخطوة أخرى؟

تتفاعل في الوسط الإعلامي والسياسي العراقي منذ فترة طويلة ضجة كبرى حول مصير زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر في أعقاب غيابه عن واجهة المشهد السياسي العراقي، وبعد احتجابه عن الظهور الإعلامي منذ نحو أربعة أشهر على وجه التحديد.

فرجل الدين الشاب الذي كان تياره السياسي قد نجح بشكل مفاجئ في إحراز كتلة نيابية وازنة، في جولة الانتخابات التشريعية الأخيرة في العراق، وفرض معادلات سياسية أطاحت شخصيات وقدمت أخرى، وكانت له أيضاً صولات وجولات وشروط وشروط مضادة في إطار المفاوضات لتأليف الحكومة العراقية، غادر فجأة بلاده، ولكن هذه المرة من دون رجعة، ما فرض تكثيف التساؤلات عن الأسباب والأبعاد.

لعبة الغياب والاحتجاب لأشهر وربما لسنوات، أتقنها الصدر وصارت جزءاً من شخصيته. هذا الرجل الذي ورث تياراً سياسياً شعبياً عريضاً رباه والده رجل الدين العلامة السيد محمد الصدر الذي اغتيل في عام 1999، أي إبان حكم صدام حسين، وهو عوّد قاعدته تلك اللعبة، ولكن المفارقة في هذه المرة أنه أطال الغياب في لحظة سياسية محتدمة تتصل بعملية تأليف الحكومة العراقية برئاسة عادل عبد المهدي.

إن غيابه اقترن بكلام متنامٍ شاع في المحافل السياسية العراقية عن أن الرجل “اختفى” بعد وصوله إلى بيروت، وأنه ربما كان يعاني من مرض عضال وهو يُعالج ولا يريد الإفصاح عن ذلك.

وأكثر من ذلك، وُجد في بغداد، الغارقة حتى أذنيها في خلافات قواها وسجالات مكونات مشهدها السياسي، من يطلق تكهناً فحواه أن الرجل الذي أدمن التذبذب السياسي قد “احتُجز” أو صار قيد الإقامة الجبرية في بيروت لأسباب شتى.

الأمر لم يبقَ مجرد شائعات وأقاويل في بغداد، بل صار محور برامج التلفزة و”التوك شو” بين نافٍ وآخر مؤيد وثالث مقيم عند محطة الشك في انتظار أن يتضح الخيط الأبيض من الأسود من الفجر أي لحظة ظهور الخبر اليقين.

الأوساط السياسية الشيعية في بيروت هي بطبيعة الحال معنية مباشرة بإلقاء الأضواء على الموضوع والتعليق عليه انطلاقاً من اعتبارين أساسيين:

الأول: إن الرجل (مقتدى الصدر) قد ولج في كل الشهادات إلى بيروت ومن ثم انقطعت أخباره أو على الأقل احتجب عن الرؤية.

الثاني: أن الأوساط نفسها ومن بينها بطبيعة الحال أوساط حزب الله الذي يعتبر أكثر تماساً مع الموضوع ومطلوب منه تقديم إيضاحات، فهي على علم بمصير الرجل واستتباعاً على دراية بسبب احتجابه، خصوصاً أن هذا السياسي العراقي يصبح منذ لحظة وصوله إلى مطار بيروت الدولي، كما جرت العادة تحت مرمى نظر حزب الله، وبشكل أكثر وضوحاً، يتحمل الحزب بشكل أو بآخر المسؤولية عن أمنه أو يصبح في رعايته وعهدته.

وعليه فإن أوساطاً عليمة من الحزب كانت مضطرة إلى الكشف عن بعض ما نملكه من معلومات عن وضع السيد مقتدى وعن سبب مكوثه الأطول من مألوف العادة في بيروت.

ومن هنا تبلغ هذه الأوساط إلى “النهار” أن السيد مقتدى موجود فعلاً في العاصمة اللبنانية منذ نحو أربعة أشهر، وهو يتنقل بين شقة يملكها في أحد أحياء بيروت وبين بيت له في إحدى بلدات الجنوب، وهي تعدّ مسقط رأس عائلته تاريخياً، وهو يمارس حياته بمطلق إرادته وخياراته.

من المعلوم ان السيد مقتدى كان يمضي ما معدله نحو أسبوع من كل شهر في بيروت والجنوب، ثم يقفل عائداً الى مدينة النجف الأشرف في الجنوب العراقي. ذلك ديدنه وخريطة طريقه منذ أعوام، ولكن مكوثه الطويل هذه المرة في بيروت، يدخل في نطاق قرار سياسي اتخذه منذ فترة تحت عنوان: الغياب والاحتجاب مبدئياً لمدة سنة مقرونة بالالتزام بالصمت السياسي والاكتفاء بدور الراصد والمراقب للتطورات والأحداث في الساحة العراقية وفي الإقليم عموماً ليجري تقييمات ويطلق مواقف. وهو في غضون ذلك أوكل قيادة التيار وكتلتيه النيابية والوزارية إلى نائبه وساعده الأيمن السيد (رجل الدين) مصطفى البعقوبي. وقد أبلغ الصدر قراره هذا إلى كبار معاونيه وقيادات تياره. ورغم ذلك فإن السيد الصدر لم يقدم شروحات وتفسيرات أوفى لخلفيات هذا القرار، وهل هو ناجم عن الرغبة بأخذ قسط من الاستراحة والمراقبة وترك إدارة الأمور لسواه، أم أنه يمهد لفترة طويلة من الاعتكاف.

وذكرت المصادر عينها أنه ليس جديداً على السيد مقتدى مثل هذه القرارات، فهو، وإبان سني الاحتلال الأميركي للعراق، وفي ذروة احتدام الصراع هناك، قرر السفر إلى مدينة قم المقدسة في إيران، حيث ظل هناك لفترة تجاوزت العامين، وقيل إنه استكمل خلالها درس بحث الخارج المعادل لشهادة الدكتوراه في الحوزة العلمية الدينية الشيعية. وإجمالاً تؤكد تلك المصادر أنه ليس بمقدورها الجزم بالتزام السيد مقتدى بقراره الأخير إلى النهاية أم أنه يمكن أن يستبدل بقرار معاكس في لحظة ما. وما تؤكده تلك المصادر أن السيد بكامل صحته ويتمتع بكامل إرادته في أخذ قراره.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*