الرئيسية / مقالات / مقبرة لا أرض تلاقٍ وحوار

مقبرة لا أرض تلاقٍ وحوار

الناس في لبنان يموتون من الجوع ويُمَرَّغون في ذلّ السؤال، فيما مُصادِرو استقلال لبنان وسيادته، ومستتبِعو ولائه لهذا المحور الإقليميّ أو ذاك، يمعنون في جعله أرضًا محروقةً، وفي تسهيل اعتباره بين الأمم “دولةً فاشلةً”، أو “دولةً مارقة”، أو “دولةً خارجةً على القانون الدوليّ”.

الناس في لبنان يموتون من الجوع ويُمَرَّغون في ذلّ السؤال، فيما المسؤولون لا يزالون يتباحثون في نسب توزيع الصفقات في ما بينهم. مَن نعطي، وكم نعطي، ومَن نحرم، وإلى أيّ حدّ.

الناس في لبنان يموتون من الجوع ويُمَرَّغون في ذلّ السؤال، فيما الترهيب الفكريّ والثقافيّ والإعلاميّ يسجّل أرقامًا وأحوالًا غير مسبوقة في تاريخ الجمهوريّة.

الناس في لبنان يموتون من الجوع ويُمَرَّغون في ذلّ السؤال، فيما استقرار الليرة مهدَّدٌ بالانهيار، تحت وطأة العقوبات الأميركيّة من جهة، وتحت وطأة جشع السرّاق والمرابين من جهة ثانية، وتحت وطأة تمادي “حزب الله” والمحور الإيرانيّ في استرهان لبنان من جهة ثالثة، وتحت وطأة انعدام الثقة بهذا “العهد القويّ” وبرجاله من جهةٍ رابعة.

الناس في لبنان يموتون من الجوع ويُمَرَّغون في ذلّ السؤال، فيما الحكومة غير المحترَمة وغير الموقَّرة على الإطلاق، التي هي نسخةٌ مصغَّرةٌ عن مجلس النوّاب الذي هو “سيّد ذاته”، افتراضيًّا، تعجز عن إيجاد فرصة عملٍ واحدةٍ لشابٍّ لبنانيٍّ في الرابعة والعشرين، أو في الثلاثين، مطرَّزٍ صدره بالشهادات المشرِّفة الموثوق بها، فيرى نفسه، والحال هذه، مضطرًّا إمّا إلى البقاء، مكسور الخاطر مشلول الإرادة فاقد الأمل، تحت جناح والديه المثقلين بالديون والهموم، وإمّا يغادر أراضي الجمهوريّة في ليلةٍ غير مقمرةٍ، من أجل أن لا يعرف أحدٌ وجهة فراره اليائس، ومن أجل أنْ لا تنفضح دمعةٌ حرّى يسكبها رثاءً لنفسه ولأهله وخلّانه ولبلاده على السواء.

الناس في لبنان يموتون من الجوع ويُمَرَّغون في ذلّ السؤال، فيما لا أحد يتحدّث عن الكرامة المهدورة، كرامة الإنسان أوّلًا، ثمّ الكرامات كلّها، ولا استثناء، حتّى بات الواحد منّا يشتهي أنْ لا يبصر فجر النهار الآتي، كي لا يكون شاهد زور، محايدًا، أو ساكتًا، أو غافلًا، أو عاجزًا، أو متواطئًا، على غرار ما يفعل أهل الخَوَر والضعف والخساسة والجبن، النعاج والمرتزقة على السواء.

يحصل هذا كلّه في لبنان، وغيره كثيرٌ كثير، فيما أشاوس “العهد القويّ” يحتفلون بجائزة ترضية (شيك بلا رصيد) منحتنا إيّاها الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة بتصويتها بأكثريّة 165 صوتًا على مبادرة رئيس الجمهوريّة لإنشاء “أكاديميّة الإنسان للتلاقي والحوار في لبنان”.

لبنان، في ضوء المعطيات المذكورة آنفًا، لا يعقل أنْ يكون أرضًا صالحةً لولادة هذه الأكاديميّة ونموّها وإشعاعها. لا لأنّه ليس أهلًا لذلك، حاشا، بل لأنّ مسؤوليه وأدوا إنسانه، ووأدوا كلّ تلاقٍ وكلّ حوار، ليجعلوه مقبرة. محض مقبرة.

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد