الرئيسية / home slide / مقاومة الاكتئاب بالذكريات في «زيارة أخيرة لأم كلثوم»

مقاومة الاكتئاب بالذكريات في «زيارة أخيرة لأم كلثوم»

 احمد رجب شلتوت 
القدس العربي
08072020

حرص الشاعر والكاتب المصري علي عطا على تأكيد الصلة بين روايته الثانية «زيارة أخيرة لأم كلثوم»، صدرت عن الدار المصرية اللبنانية، القاهرة ـ 2020، وروايته الأولى «حافة الكوثر» ابتداء من عتبة الإهداء، «إلى الحفيدتين، حنان شادي وأروى رمضان، رمزَا المستقبل المشرق، وإلى ناس الكوثر زملاء بطل الرواية فى المصحة النفسية»، ولم تتحقق الصلة بمجرد ذكر «الكوثر»، وإنما بالإحالة من خلالها إلى الحالة النفسية لبطل الرواية، الصحافي حسين عبدالحميد، الذي يعاني اكتئابا مزمنا، دفع به إلى المصحة النفسية مرات عديدة في الجزء الأول، فاعتبرها وطنا بديلا، «ولا بديل له إلا شوارع لا ترحم ساكنيها».
تبدأ الرواية الثانية بتجدد محنة «البطل» الذي يصحو من نومه مفزوعا، منقبض النفس، تطارده الكوابيس، معلنة عن نوبة اكتئابية جديدة، فيتأهب لدخول المصحة مجددا، لكن الطبيب الذي أصبح صديقا نصحه قائلا: «عد إلى البيت يا حسين»، ويطالبه بأن يقاوم، فيفعل بأن يحفر عميقا تحت سطح اللحظة المضطربة لعله يدرك أصل الداء، ويمسك بأهداب حياة تصر على الانقضاء. فإذا كانت الأوضاع السيئة ماديا واجتماعيا وسياسيا، التي أدت به إلى الكوثر مازالت مستمرة، فإنه من الطبيعي أن يستشرف النهايات ابتداء من عتبة العنوان (فالزيارة أخيرة)، ثم من الجملة الأولى «قلبي منقبض»، وبعدها بداية الفصل الثاني «ستكون خالتي أم كلثوم آخر الراحلين من إخوة أمي الأشقاء وغير الأشقاء»، تقول الأسطورة العائلية إن عددهم فاق الأربعين، وها هي الباقية الوحيدة منهم على مشارف الرحيل، ومع موتها المرتقب، سيتم اكتمال اقتلاع جذور حسين، الذي يقاوم انتهاء سلالته، كما يقاوم الاكتئاب، بأن يتذكر العائلة وأفرادها، وأن يحكي عنهم في الرسائل التي يكتبها لصديقه السوداني المهاجر «الطاهر يعقوب»، وكأنه بالتذكر والكتابة يثبت جذوره ويقاوم.

اصطناع ذاكرة

الاكتئاب مرض شائع، ويمكن أن يطال الجميع، خصوصا كبار السن الذين يغلب عليهم الشعور بالوحدة، وافتقاد الأمان، واللاجدوى. ويرى المختصون أن هناك علاقة بين الاكتئاب، وحدوث تداخل في الذاكرة، يحدث عندما لا يستطيع الإنسان استقبال معلومات جديدة، بسبب أفكار أو ذكريات قديمة. وبالنسبة لبطل الرواية، وهو على مشارف الستين من العمر، نراه وحيدا، طلّق الزوجة التي أحبها سلمى، ويصف لحظة مشاهدته لها بعد فراقهما: «رأيت سلمى السكري أمس… التقت عينانا… لم أفكر في أن أتحاشى ذلك اللقاء يا طاهر». أما الزوجة الأولى دعاء فمنذ الصفحة الأولى يصارح طاهر بأنه يقيم في غرفة مستقلة، وفي فصل آخر يقر بأنهما يتبادلان القسوة. وهو غير مطمئن إلى مستقبله، يستعرض أحواله في رسالة ثم يضيف: «إن مدخراتي صفر: تلك حصيلة ثلاثين عامًا من العمل في الصحافة.. عمل متصل في مكانين؛ عرب اليوم ووكالة مصر المحروسة. بالكاد حققت الستر. والآن يكاد الستر يذهب بلا رجعة، وأنا على أبواب التقاعد الذي سينزل بدخلي إلى أقل من ألفي جنيه شهريًا».

تتكون الرواية من ثمانية وستين فصلا قصيرا، كلها رسائل موجهة لصديقه الطاهر، وكلها تعتمد على التذكر، لذلك يصدّر الكاتب روايته بمقتبس من غارثيا ماركيز، يقول فيه «من لا ذاكرة له فليصنع ذاكرة».

هذا الخوف من المستقبل ورفض الحاضر، يدفعانه إلى الحنين إلى الماضي، فيسعى لاستعادته عبر التذكر، وهو ما تجلى في صحوه، وأيضًا في أحلامه، فازداد شوقه لبيتهم القديم، لعالم طفولته، وحتى لمهنته القديمة التي تواجه خطر الاندثار، لكنه يعود لها في أحلامه، وكأن إعادة تمتين الأقفاص المصنوعة من جريد النخل، بما يتيحه لها من إمكانية إعادة الاستخدام يشكل معادلا لما يرجوه لنفسه. كذلك فهو يبدو فاقدا لليقين، غير مطمئن لشيء ولا واثق من شيء، اللهم إلا الماضي، باعتباره عاش وقائعه، لذلك يسرف في استعادة الوقائع، بل قد يستعيد الواقعة نفسها، ليؤكد لنفسه أنها حدثت وبالكيفية نفسها التي تستدعيها بها ذاكرته، أو ليطمئن إلى عدم عبث تشوش وتشتت الذاكرة، بفعل الاكتئاب، بما يتذكره، وهو أخيرا يكتب هذه الذكريات، كما يقول لطاهر لأجلي «الأسرار القديمة في طفولتي، ولتحديد هويتي، ولأخلق أسطورتي الخاصة». وهكذا تستعيد الذكريات حياتها من خلال الكتابة.

حوار ذاتي

تتكون الرواية من ثمانية وستين فصلا قصيرا، كلها رسائل موجهة لصديقه الطاهر، وكلها تعتمد على التذكر، لذلك يصدّر الكاتب روايته بمقتبس من غارثيا ماركيز، يقول فيه «من لا ذاكرة له فليصنع ذاكرة»، أما بطل الرواية فيقول في رسالة «يقينا لا أتذكر، أو على نحو أكثر دقة: يحتاج التذكر إلى جهد»، ويقول في غيرها «إن ذلك سينعش خيالي بما يخفف من وطأة الذاكرة، ويحث على الكتابة، ومن ثم ربما يضع حدا لوقوفي المتكرر على حافة إقامة دائمة في الكوثر»، وفي متن الرواية يشير إلى قول إيزابيل الليندي في روايتها «صور عتيقة» عن الذاكرة، وأنها «خيال نختار أكثر ما فيها تألقاً، وأكثر ما فيها قتامةً متجاهلين ما يخجلنا ونحوك هكذا سجادة حياتنا العريضة»، لذلك نجده يشير في موضع آخر إلى تفضيله لرواية «باولا» لأنها تستدعي الجذور، كما يستدعي هو جده توفيق.
أما الرسائل نفسها فعلى الرغم من أنها موجهة لآخر، إلا أنها تبدو أحيانا وكأنها حديث من حسين إلى ذاته، وقد اختار أن يروى لمغترب، بعيد عنه، وعبر الرسائل حتى لا يقيم حوارا ويظل السرد أحادي الاتجاه، ربما لذلك تعمدت الرواية تغييب صوت الطاهر ووضعته دائما في موضع المتلقي، وهكذا لم تكن البنية السردية عند «علي عطا» تبادلا للحوار بين صوتيهما، إذ مثل حديث حسين للطاهر، فيضا من الخطاب أحادي الاتجاه، سواء استخدم ضمير المتكلم «أنا» أو ضمير المخاطب «أنت» في نوع من المناجاة السردية، تختلف عن الحوار بين الصوتين في أن قوة الكلام ومصدره تنتقل من الشخصيات المتحاورة إلى الراوي السارد، وأيضا لأن الكلام يفيض في اتجاه واحد من الراوي المتكلم إلى المخاطب، وفي ذلك تفسير لارتباط هذا الضمير بسلطة المساءلة، والاعتراف وغير ذلك من أمور تنبع كلها من قدرته على الفيض في اتجاه واحد، بدون إمكانية للرد. وهو ما يعني إيقاف حركة السرد إلى الأمام في الزمن، كما يعني قدرا من التركيز على اللحظة، فالضمير «أنت» يضع الراوي في مواجهة نفسه مستحضرا التذكر والتأمل والاعتراف والبوح، وهو ما يعني التخفف من الضغوط ومقاومة الاكتئاب بالذكريات.

كاتب من مصر