الرئيسية / مقالات / مقالات لا جدوى من جلسات مناقشة ومحاسبة مع حكومات مؤلفة من كل الأحزاب

مقالات لا جدوى من جلسات مناقشة ومحاسبة مع حكومات مؤلفة من كل الأحزاب

لو أن ما أثاره نواب في جلسات المناقشة العامة من فضائح الفساد والفاسدين والمفسدين أثير في الماضي زمن الممارسة الديموقراطية الصحيحة، لكانت الحكومة استقالت أو حجبت عنها الثقة أو استقال كل مسؤول متهم لا يثبت براءته، أو شُكّلت لجان تحقيق، أو تحرّك القضاء المختص لمعرفة الحقيقة، ولما كانت الجلسات تبدأ بالكلام وتنتهي بالكلام والناس يشاهدون على شاشات التلفزيون ما يشاهدونه ويسمعون ما يدهش. ويسجّل كلام النواب على الفضائح في محاضر جلسات المجلس ولا تشطب كي تبقى للتاريخ، وتعرف الاجيال القادمة أن لبنان عاش حقبة من تاريخه وفيه مغارة بل مغاور لأكثر من علي بابا…

إن جلسات المناقشة في الماضي كانت تنتهي بطرح الثقة بالحكومة، فإما تنالها فتستمر، وإما تُحجب عنها فتستقيل. وكانت تشكل لجان تحقيق في الاتهامات التي يوجهها نواب الى فاسدين للتأكد من صحتها، إذ لا يجوز للنائب أن يسمّي الجهة الفاسدة بل على لجنة التحقيق والقضاء المختص أن يفعلا ذلك ويطلبا المعاقبة. فدور النائب هو الكشف عما لديه من معلومات قد تكون صحيحة أو خاطئة، وللجنة التحقيق البرلمانية أو القضاء المختص التحقق من صحتها. لكن جلسات المناقشة في زمن الديموقراطية الشكلية تنتهي ولا ثقة تطرح بالحكومة، ولا لجنة تحقيق تشكل ليعرف الناس بعد التحقيق هل كان النواب الذين كشفوا عن وجود فضائح مالية في أكثر من وزارة ومؤسسة هم على حق، أم كانوا ضحية معلومات خاطئة لأن من حق الناس أن يحاسبوهم إذا لم يثبتوا عدم صحتها، ففي الدول الراقية والمتحضرة والتي تمارس فيها الديموقراطية ممارسة صحيحة، يُحاسَب كل مسؤول مهما علا شأنه حتى بعد مرور الزمن، ويُحكَم على كل من تثبت عليه تهمة الفساد والاختلاس ويكون مصيره السجن لا العودة الى منزله مكرماً. وهذا ما حصل مع مسؤولين كبار في غير دولة مثل فرنسا وأميركا وحتى في إسرائيل… كي يطمئن كل مستثمر فيها وكل صاحب حق الى أن حقه محفوظ في دولة العدالة والقانون.

يقول سياسي مخضرم إن لا حاجة الى عقد جلسات مناقشة عامة مع حكومات تتمثل فيها كل الأحزاب أو جلّها لأنها ستبدأ بالكلام وتنتهي بالكلام، ولا ثقة تطرح لأن الظرف لا يسمح بحجبها عنها، ولا تحقيق في الاتهامات في الفضائح المالية ليعرف الناس الحقيقة وإن كان هذا من حقهم. لذلك فإن عقد جلسات مناقشة مع حكومات تتمثل فيها كل القوى السياسية الأساسية في البلاد لا جدوى منها ولا سبيل الى محاسبتها ومساءلتها لأن النائب الذي يتهم إنما يتهم وزيراً يمثله في الحكومة، وهذا غير طبيعي وغير منطقي، إذ على هذا الوزير أن يستقيل إذا كان النائب من حزبه يتهمه بالعجز والتقصير أو بالفساد، وهي حكومة تبقى بفعل الظروف الاستثنائية أو القاهرة، وإنْ بكل علّاتها وعيوبها، حتى اذا ما تمادت في الفساد تولى الشارع إسقاطها بدلاً من مجلس النواب.

إن هذا الوضع الشاذ بل البائس، جعل حجم الفساد يكبر وأرقامه تُحسب بالمليارات سنوياً، ويحل لبنان في المرتبة العليا في الترتيب العالمي لمستوى النزاهة والشفافية، لأن لبنان وضع توقيعه على الاتفاق الدولي لمكافحة الفساد ولم يضع آلية للتنفيذ كي يصلح ما أفسده الدهر وللإجابة عن سؤال يطرح منذ سنين: من أين لكم هذا، وثقة الناس تبقى مفقودة بالحكومة والحكام ما دام لا جواب عن هذا السؤال.

إن الزعيم المصري سعد زغلول كان يقول: إن فساد الحكم هو من فساد المحكومين، والزعيم البريطاني ونستون تشرشل قال إبان الحرب العالمية عندما علم أن المحاكم لا تزال تعمل: إن بريطانيا بخير ما دام القضاء بخير.

الواقع أن أي نظام في لبنان يجب أن يلحظ خطة لاجتثاث الفساد، وأن يستعجل تشكيل حكومة الكترونية وتطبيق اللامركزية الإدارية الواسعة لمنع الفساد الذي لا يكافح عند انتشاره بالقوانين، وإلا صحَّ في كل مسؤول يتهم بالفساد ولا يثبت العكس قول الشاعر الجنوبي موسى الزين شرارة قبل أكثر من 60 سنة: “يا مدير الاقتصاد الوطني، قلْ لنا كيف أصبحت غني. لم تتاجر لم تسافر لم ترث عن أبيك الفذ إلا الرسن”.

اضف رد