مقاتلون أخلاقيون: التوحش بوصفه قيمة ثقافية

 محمد سامي الكيال 
القدس العربي
https://www.alquds.co.uk/
14022020

تنتشر على نطاق واسع فرضيات تفسّر الممارسات المتوحشة لأنظمة الحكم في العالم العربي، باستبدادية جهاز الدولة وحده، فيبدو المجتمع، وفقاً لهذا المنظور، منفصلاً عن الدولة وخاضعاً لعنفها وضراوتها. كما تفتقر الدولة الاستبدادية على المستوى الأخلاقي للقيم، التي تُعتبر البنى الاجتماعية التقليدية حاملها الأساسي، ما يجعل المواجهة مع الدولة تكتسب بعداً أخلاقياً، أو حتى دينياً. النتيجة المنطقية لهذه الفرضيات هي أن زوال جهاز الدولة القائمة، أو استبداله بجهاز آخر، سيجفّف مصادر التوحش، ويسمح للمجتمع أن يعيش ثقافته وقيمه بسلام. ومن هذا المنطلق يتم رفض «التغيير من فوق» بوصفه اعتداءً على المجتمع، وشكلاً خاصاً للتوحش مرتبطاً بالحداثة نفسها.
لا تفتقر الدول العربية، أو غيرها، للتوحش بالتأكيد. مشاهد الاعتداء على القبور التي وردت مؤخراً من محافظة إدلب السورية، مؤشر على المدى الذي وصلت إليه همجية الأنظمة الحاكمة، وهي همجية تبدو مجانية وعبثية، لا دور وظيفي أو فائدة عملية واضحة لها، وهذا يطرح سؤالين مهمين: هل هذا التوحش مرتبط بمفهوم الدولة الحديث بأي شكل من الأشكال؟ وهل هو صادر بالفعل عن منظور غير أخلاقي؟
تاريخياً أثبتت التجربة أن زوال الدولة القمعية لم يعن نهاية التوحش، بل تفجراً لعنف مجتمعي شديد الهمجية والسيولة، لا يمكن ربطه ببؤرة محددة، والحالة العراقية خير شاهد على ذلك. يمكن للمرء أن يلجأ للتفسيرات السهلة، وينسب كل الوقائع المؤسفة لممارسات الاحتلال الأمريكي والإيراني، أو لأي جهة خارجية تحلو له، ولكن العنف لم يأت من الخارج، وبالتأكيد لم يُخلق من العدم.
الممارسات الأشد توحشاً مرتبطة ببنى اجتماعية محلية، وأفراد يحملون قيم مجتمعهم، ولديهم منظومة أخلاقية ما، وغايات متعالية، تعطي لممارساتهم المعنى من وجهة نظرهم. بالتأكيد تضم المليشيات المتحاربة في العراق وسوريا واليمن وليبيا كثيراً من المرتزقة، ولكن لا يمكن إنكار أنها تضم أيضاً مقاتلين مخلصين، مستعدين للموت لأجل ما يؤمنون به، وحضور هؤلاء المقاتلين الأخلاقيين، وهم عادةً الأشد تطرفاً، يجعل البحث عن مصادر التوحش أمراً أكثر تعقيداً. فيصبح من الضروري مساءلة البنى الثقافية والأخلاقية التي تشرعن هذا النمط من الممارسات.

لامبالاة أخلاقية

مارست الدول الحديثة عدداً من أبشع الانتهاكات في التاريخ، من الجرائم الاستعمارية مروراً بالتطهير العرقي، وصولاً إلى الحروب الكونية الكبرى، والأحداث المأساوية المفصلية مثل الهولوكست، إلا أن هذه الممارسات ارتبطت دوماً بنمط من الهندسة الاجتماعية، أي بغايات اجتماعية وسياسية عقلانية، تحقق منظوراً معيناً للمنفعة لدى من يقومون بها. وسواء فسرنا هذه الانتهاكات بمفهوم «العقلانية الأداتية» على طريقة مدرسة فرانكفورت، أو قبلنا التنظيرات حول ارتباطها بتطور مقولات العلوم الطبيعية، وما حملته من «لامبالاة أخلاقية»، وفق بعض نقاد الحداثة شبه اللاهوتيين، مثل زيغمونت باومان، فإن العقلنة البيرقراطية – التكنوقراطية تبقى سمة مركزية في أي مفهوم للدولة الحديثة، وهو ما بيّنه بوضوح عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر.
هذا النمط من العقلنة لا يؤدي بالضرورة إلى الإبادة الجماعية، ولعل الأخيرة هي من أكثر الأساليب كلفة وعدم فعالية من منظور عقلاني.
يتتبع المفكر الفرنسي ميشيل فوكو تطور الممارسات السلطوية، خاصة في مجال الرقابة والعقوبة، من محاولة طبع أثر السلطة على الجسد الإنساني في العصور الوسطى، عن طريق التعذيب والعقوبات الجسدية القاسية، إلى العمل على تطويع الجسد والهيمنة على تحركاته في العصور الحديثة، وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عنه، وتصنيفها وأرشفتها. في أعماله الأخيرة يحاول فوكو إظهار الصلة بين هذه الممارسات وسؤال «إعرف نفسك»، المهيمن على المعرفة والفلسفة الغربية منذ حقبتها السقراطية، وهو حسبه سؤال السلطة، الذي برز على حساب السؤال الأساسي للأخلاق: «اهتم بنفسك».

الشبكات الزبائنية نقلت مفهوم الرعاية الأبوي هذا إلى جهاز الدولة، الذي يفترض به أن يعمل بحد أدنى من العقلانية. كما أن الجيوش العربية نفسها قائمة هيكلياً، في كثير من الأحيان، على أسس طائفية ومناطقية، ما يجعلها «اجتماعية» جداً، بدلاً من أن تكون قامعة للمجتمعات وقيمها.

القمع الحداثي المرتبط بتراكب خاص لخطابات السلطة والمعرفة، وبمنظور محيّد أخلاقياً، لا يبدو صالحاً لتفسير أنماط التوحش في العالم العربي. مقاتلو المليشيات، سواء التي تسمي نفسها جيوشاً نظامية، أو كتائب دينية وثورية، لا يعانون من انعدام المبالاة الأخلاقية، فقيم الغيرة على الدين وحماية الطائفة والزعيم، أو حتى «الوطن»، ومواجهة العدو الأجنبي، تنمّ كلها عن هم أخلاقي مبالغ فيه. كما أن سحق الخصم وإيلامه، بشكله المادي المباشر، مثل التعذيب والاغتصاب والتقطيع، أو حتى بشكله الرمزي، مثل تدمير شواهد القبور، والإهانة اللفظية لمجموعات طائفية وعرقية معينة، هو فعل أقرب للممارسات القروسطية، التي تحاول طبع أثر السلطة على أجساد وذوات من يخضعون لها، بما يرتبط بهذه السلطة من هيمنة أخلاقية، يجب أن تكون مرئية ومحسوسة بشكل واضح وفج. لا يهتم هذا النمط من الممارسة السلطوية بجمع المعرفة عمن يقمعهم، أو تطويعهم واستغلالهم لتحصيل عائد مادي منهم، وبالتأكيد لا يعقلن نفسه بآليات بيروقراطية وتكنوقراطية. الأساس هو تأكيد الحق في السيادة والسيطرة، المتأتي من الانتماء إلى العصبية أو المجموعة أو الدين «الصحيح». هذا المنظور الأخلاقي غير الحداثي لا يمكن أن ينتج عن هياكل الدولة الحديثة نفسها، إلا إذا أصبحت «أهلية»، أي بقدر ما تتطبع بطباع البنى الأبوية التقليدية، التي تحمل هذا المنظور لـ«الحق».

الأب القائد، الدولة العائلة

إذا كان السجن والمصنع ـ النموذجان الأوليان للمؤسسات الانضباطية، والمجال الأساسي لعمل السلطة الحديثة، قبل الانتقال إلى نماذج «بعد حداثية» أكثر سيولة ـ يمكن اقتراح العائلة الأبوية التقليدية نموذجاً أولياً للممارسات السلطوية العربية، بمفاهيمها عن الحق والأخلاق. ونمط توزيعها للمنافع والموارد والامتيازات. قيم الشجاعة والشرف والشهامة، بفحواها الذكوري التقليدي، تتضمن جانبين أساسيين، أولهما قدرة الأب -الذكر المهيمن على حماية أعضاء عائلته، قبيلته، أو طائفته، وسحق أعدائها. وثانيهما صلاحيته بتطويع من هم تحت سلطته بفائض قوته الرجولية، وهي صلاحية تصل إلى درجة القتل الطقوسي، كما في حالة جرائم الشرف. هذا النموذج لا يؤسس فقط لحروب المليشيات، بل اقتحم مؤسسات الدولة نفسها.
الشبكات الزبائنية نقلت مفهوم الرعاية الأبوي هذا إلى جهاز الدولة، الذي يفترض به أن يعمل بحد أدنى من العقلانية. كما أن الجيوش العربية نفسها قائمة هيكلياً، في كثير من الأحيان، على أسس طائفية ومناطقية، ما يجعلها «اجتماعية» جداً، بدلاً من أن تكون قامعة للمجتمعات وقيمها. تشبيه القائد بالأب عربياً، والوطن والدولة بالعائلة ليس مجرد صدفة. يمكن إيجاد مصادر ثقافية أخرى لهذه الممارسات، مثل ما طرحه الباحث التراثي العراقي هادي العلوي، الذي لا يمكن بالتأكيد اتهامه بـ«الاستشراق»، في كتابه «من تاريخ التعذيب في الإسلام»: مبدأ الإبادة الجماعية (عذاب الاستئصال)، ووصف العذاب في الآخرة، وقانون العقوبات (الحدود) القائم على إيذاء الأجساد وتعذيبها، وهي عناصر مشتركة في كل الأديان الإبراهيمية، تؤسس للمخيال العنفي، وتمنح طابع العدالة لما يُنزل من انتهاكات بالمارقين على نموذج الحق القائم، باعتبارها محاكاةً لأحكام وممارسات الأب السماوي مطلق العدالة. لا تصدر ممارسات التوحش العربي بالتأكيد عن الثقافة أو الدين وحدهما، فلها دوافعها السياسية والطبقية، ولكن الثقافة هي ما ينتج الدوال والقيم التي تعطي العنف معناه ومبرراته.

التغيير الفوقي

لا جدوى إذن من الانحياز المطلق للدولة أو البنى الاجتماعية الأبوية، كما أن نقد الحداثة ونمط عقلانيتها قـــــد يكون كارثياً إذا تـــرافـــق بتمجيد، مباشر أو غير مباشر، لتصورات خيالية – أيديولوجية عن التفوق الأخلاقي لما هـــو قبل حداثي، أو يعمل بآليات مخالفة للحداثة، ربما كان الأجدى إيجاد صيغ أكثر تعاقديــة للاجتماع الإنساني، لا يحتكر فيها طرف «الحقيقة» بشكل مسبق ومتعالٍ، سواء بدواعٍ علمية أو أخلاقية أو دينية.
انهيار نماذج الحكم العربية، وتحلل البنى الأبوية البطيء، بكل ما يرافقهما من آلام وكوارث، يُظهر فشل الدولة والمجتمع التقليدي في تحقيق الحد الأدنى من ضرورات الحضارة والاجتماع الإنساني، أي تنظيم العلاقات الاجتماعية وتلبية الحاجات الأساسية، ما قد يدفع لإعادة الاعتبار لمفهوم «التغيير الفوقي»: لا يمكن إنقاذ ما يعتبره البعض «دولة مستقرة» و«مجتمعات محلية» و«ثقافة شعبية»، والعمل من داخل هذه السياقات بات شبه مستحيل. «الفوقية» هنا تعني أن المؤسسات الاجتماعية الأكثر تطوراً، رغم ضعفها ومحدوديتها، يمكن أن تصبح بعد تثويرها المحرك الأساسي للتغيير. أفضل مثال على هذا هو الدور الذي لعبه اتحاد الشغل في تونس، وتجمع المهنيين في السودان، في قيادة الثورة في البلدين.
إعادة ابتكار حيز عام حديث هي برأينا المهمة الأكثر ضرورة في السياق الراهن، فهذا الحيز هو المجال الأسلم لتحقيق أي مهمة ثورية، سواء كانت تجاوز الاستبداد أو إعادة توزيع الثروة أو انتزاع الحريات الفردية والاجتماعية. أما مجاملة «الحساسيات» الثقافية أو الأهلية فلم تنتج تاريخياً إلا مزيداً من الانحدار.

٭ كاتب من سوريا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*