الرئيسية / أضواء على / مفهوم الحب في الشعر الغنائي التمثيلي والملحمي عودة إلى التراث

مفهوم الحب في الشعر الغنائي التمثيلي والملحمي عودة إلى التراث

عبد الواحد لؤلؤة
القدس العربي
24112019
https://www.alquds.co.uk/

قد يحسنُ بالمرء المعنيّ بالثقافة أن يعود، بين الحين والحين، إلى تراثه الثقافي، لكي يُعيد إلى دائرة الضوء مسألة أو أخرى، نسِيَها الآخرون أو تناسوها، في ظروف سياسية أو تاريخية أو مجتمعية، دفعت بتلك المسائل الثقافية خارج دائرة الضوء، فبقيت على تلك الحال، ما لم يتهيأ لها من يُعيدها إلى سابق مركزها المهم، عن طريق شخص أو مؤسسة ثقافية، أو قوة حريصة فاعلة.

من ذلك مفهوم الحب، وصورته في الشعر الغنائي، وحتى في الشعر التمثيلي أو الملحمي، حسب تقسيم أرسطو. فغني عن القول إن البشر وشعوب العالم جميعاً قد عرفت الحب مفهوما وممارسة. وفي المجال الثقافي يبدأ الحديث عن الحب في تراث الأدب الإغريقي ومن بعده الرومي اللاتيني. لكن أوروبا القروسطية، التي كانت الكنيسة فيها هي الحَكَم في أمور الثقافة، لم تكن تقبل تراث الإغريق والرومان في مفهوم الحب. ولكن في بواكير القرن الثاني عشر، ظهر في منطقة “لانكَدوك” من أعمال إقليم “بروفونس” في الجنوب الغربي من فرنسا الحالية مفهوم جديد للحب، تمثل في شعر الجوّالين “تروبادور” وأولهم الأمير كَيّوم التاسع (1075 ـ 1127). واستمر هذا النوع الجديد من الشعر في أعمال حوالي 400 شاعراً جوالاً اتبعوا نهج كَيّوم كان آخر المعروفين منهم كَيرو ريكيير (1230-1292). فما هو هذا النوع الجديد من الحب، في هذا النمط الجديد من الشعر، وما هو مصدره؟

تشير الدراسات الرصينة بالإسبانية لباحثين مثل داماسو آلونزو وآسين بالاثيوس وكَارثيا كَومذ ورامون منندث بذال وخوليان ريبيرا والكوبية الأمريكية روزا ماريا مينوكال وغيرهم، إضافة إلى الباحثين الفرنسيين مثل ليفي بروفنسال وإيرينيه كلوزيل وآخرين مع جماعة من الباحثين ممن نشر بالإنكَليزية في بريطانيا وأمريكا… تشير هذه الأبحاث، مع أمثلة من النصوص الأندلسية مدعومة بالتواريخ، أن مفهوم الحب الجديد على أوروبا وتراثها القروسطي، وتجلياته في شعر التروبادور الذي بدأ بالظهور في بواكير القرن الثاني عشر إنما مصدره الشعر الأندلسي الذي دخل الجزيرة الإيبيرية بدخول المسلمين من عرب وبربر عام 711م. ومعروف أن هؤلاء الفاتحين قد بدأوا باختيار زوجات لهم من النساء الإسبانيات، فكان الجيل الأول من هذه الزيجات يتحدث العربية مع الأب والإسبانية (لَطينية الأندلس) مع الأم. فكان من شأن هذا الإزدواج اللغوي أن صار التفاهم بين جيل الفاتحين وأهل البلاد الأصليين مسألة ميسورة، ظهرت أولى آثارها في فهم واستساغة الشعر العربي الأندلسي، الذي كان استمراراً للشعر العربي في المشرق، بعد أن تطور في شكل القصيدة وموضوعاتها، تمشياً مع المحيط الجديد، ولو أن الشعر في جوهره بقي عربياً مشرقياً.

التطوير الذي حصل في شكل القصيدة الأندلسية له جذوره في شعر المشارقة، ولو أنه في الأندلس صار يستجيب بشكل أكبر لمطالب الرقص والغناء. أما مفهوم الحب، فيرجع في أصوله كذلك إلى المشارقة، كما نجد في كتاب محمد بن داود (ت ـ 909م) الذي كتبه ببغداد عام 890م بعنوان “الزُّهَرَة” (إشارة إلى نجمة الزُّهَرَة أي فينوس ربة الحب، وليس الزَهرة واحدة الزهور، فليس في الكتاب شيء من ذلك). يضم الكتاب في جزئه الأول 50 باباً في كل باب 100 بيت شعر تصوِّر فنون الحب وقوانينه، والأمثلة مأخوذة من “حماسة” أبي تمام و”حماسة” البحتري، أي أن جميع الأصول عربية. ثم جاء كتاب الأندلسي ابن حزم (933- 1064) بعنوان “طوق الحمامة في الأُلفَة والأُلاّف” (1028) الذي يذكر كتاب “الزُّهَرَة” بإعجاب وينظِّر للحب مفهوما ًوفلسفةً في ثلاثين باباً مع أمثلة واقعية. كان هذان الكتابان مما شكّل مفهوم الحب الدنيوي عند الأندلسيين، كما يظهر في الموشح والزجل، فوجد شعراء بروفونس في الشعر الأندلسي ما يختلف عما في أعمال يوريبيديس الإغريقي الذي يرى الحب عقوبة تنزلها الآلهة على البشر، أو صورة إشباع اللذة الجسدية كما يرى أوفيد اللاتيني (43 ق.م – 17م) في كتابه “فن الهوى”. ثم جاء آندرياس كابيلاّنوس كاهن بلاط الكونتيسة ماري، إبنة اليانور داكيتين حفيدة التروبادور الأول، فطلبت من الكاهن أن يضع لها كتاباً عن الحب وفنونه، فكتب لها “عن فن الحب الصادق” بين عامي 1184 ـ 6 فجاء الكتاب كأنه نسخة ثانية من كتاب طوق الحمامة لابن حزم. يرى الراهب أن الحب الجنسي هو المرغوب الأكثر في الحياة، كما يشير إلى أن الشاعر يمكن أن يوجِّه حبّه نحو امرأة متزوجة. وقد أغضب ذلك الكنيسة ثم جاء مطران باريس ستيفن بومبييه عام 1277 فأصدر أمراً بتحريم الكتاب مع 219 كتاباً أخرى بينها كتب ابن رشد (1126 ـ 1198).

كان ما دعا إليه الراهب نوعاً من الحب الذي كان معروفاً في القصور والبلاطات، وهو ليس بالحب العفيف ولا العذري، وقد اشتق له الباحث الفرنسي كَاستون باريس إسماً مشتقاً من اسم “البلاط” بالفرنسية: cour  فرأيتُ أن أسمّيه “الحب البلاطي” وهو الحب العنيف الذي تدور حوله قصائد التروبادور. لم يكن لهذا النوع من الحب الدنيوي ولا الشعر الذي يمثله من سابقة في التراث الأوروبي القروسطي. يقول دانته إنه لم يكن ثمة من شعر في أوروبا في المئة والخمسين سنة قبل التروبادور. كما يرى الباحثون الفرنسيون أن الشعر اللاتيني كان في عداد الأموات بحدود العام 1100. فمن أين جاء هذا الشعر والغزل؟

نقرأ في القصيدة رقم 8 من شعر كَيّوم التروبادور الأول: “أود أن ألقي بنفسي إليها/لكي تشملني في سجل عشاقها/ولا تحسَبنّي، بسبب ذلك، ثمِلاً/إن كنتُ أحب سيدتي/لأني من دونها لا أقوى على العيش”. والعاشق في شعر التروبادور مطيع خاضع للمحبوبة، يخاطبها بصيغة “سيدي”. نقرأ في قصيدة برنار ديفينتادورن رقم 33: “سيدتي أنا طوع يمينك وسأبقى كذلك/جاهزاً من أجل خِدمتكِ”. ويخاطب الشاعر نفسه في القصيدة رقم 2: “يا برنار! يصعُب أن يكون فاضلاً أو مهذباً/من لم يكن مرتبطاً بالحب”. ومفهوم الحب البلاطي كما نجده في أول أمثلة الشعر الدنيوي في أوروبا نهايات القرن الثاني عشر هو المفهوم الذي نجد أوصافه في كتاب ابن داود (890) وكتاب ابن حزم: “طوق الحمامة” (1028) وهو الذي نجده في الشعر الأندلسي وريث شعر الغزل العربي المشرقي. ولما كان الشعر الدنيوي الجديد على أوروبا يقف على النقيض من الشعر الكلاسي والشعر الذي تقبله الكنيسة، كان لا بد من النظر إلى الشعر السائد في المحيط الجديد في الأندلس، مزدوجة اللغة. فقد ازدهرت الموشحات الأندلسية قبل ظهور كَيّوم بأكثر من قرنين من الزمان، كما كان عدد من الوشاحين معاصرين لعدد من التروبادور، كما كانت أزجال ابن قزمان القرطبي (ت 1160) تملأ الجو الثقافي الأندلسي، وتُسمع غناءً. ومن هنا استهوى الايقاعُ في القافية في الموشح والزجل الشاعرَ البروفنسي فظهرت القافية أول مرة في أول شعر أوروبي. نجد ذلك في القصيدة رقم 4 كما في رقم 7 حيث تكون قصيدة كَيّوم مطابقة في قوافيها زجلاً لابن قزمان بعنوان “أم الحكَم” وهو B,A,A,A,.  ثم تتغير في المقطع اللاحق إلى B,C,C,C …

استمر التطور في هذا الشعر الأوروبي الوليد واستمر التمازج بين الشاعر البروفنسي والشاعر الأندلسي مما أغضب البابا بيوس إنوسنت الثالث في باريس، فقاد “حملة صليبية” على “الجنوب الوثني” وقضى على حضارة بروفنس. فتفرق الشعراء التروبادور، بعضهم إلى الشمال الغربي في منطقة بريتاني، ومنهم من عبر إلى بريطانيا حيث كانت الكونتيسة إلينور داكيتين وزوجها هنري الثاني يرعيان الشعراء التروبادور. كما لجأ آخرون إلى صقلية وجنوب إيطاليا واستأنفوا نشاطهم. ومن هنا التقط دانته نظام الغنائية التي ابتدعها دا لنتيني وصارت تعرف باسم الشاعر بتراركا الذي نظم فيها أجمل قصائد الحب، فانتقل نظام الغنائية وبعض مفهومات الحب الدنيوي إلى الشعر الإنكَليزي في القرن السادس عشر، عصر الانبعاث في بريطانيا، الذي جاء متأخراً عنه في أوروبا. من هذا الاستعراض نلمس دور الثقافة الشعرية العربية في نشوء وتطوّر الشعر الغنائي في موضوعات الحب، قبل أن تمتد إليه يد هوليوود.

اضف رد