الرئيسية / home slide / مفاوضة إسرائيل: إخراج المسيحيين من كنف إيران

مفاوضة إسرائيل: إخراج المسيحيين من كنف إيران

منير الربيع|الإثنين05/10/2020
Almodon.com

يسعى عون عبر الإمساك بملف التفاوض إلى إعادة تعويم نفسه وعهده (علي علّوش)

بقدر ما ستكون مفاوضات ترسيم الحدود معقدة في مسارها التفصيلي، ستعمل القوى السياسية اللبنانية في الأثناء على تكريس وقائع ومعادلات جديدة. فعندما قدّم الثنائي الشيعي ورقة الموافقة على إطلاق المفاوضات، وإعلان الرئيس نبيه برّي عنها، أراد حزب الله وحركة أمل الإمساك بهذا الملف، ولو من خلف رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي يريد من جهته أيضاً أن يكون هو الممسك بهذه الورقة، لمجموعة أسباب وأهداف، كالإشارة إلى استعادته لصلاحياته، وعمله على إعادة تعويم نفسه وعهده على صعيد العلاقات الدولية.
ويريد الثنائي الشيعي أيضاً تغطية أي تنازل يتم تقديمه بالدولة اللبنانية، أو بميشال عون. بمعنى أن المقاومة توافق على ما توافق عليه الدولة اللبنانية في عملية ترسيم الحدود. أما عون، وبحال قدّم تنازلات، فسيكون عنوانه هو إنقاذ لبنان وثانياً تجنّب العقوبات.

ما بعد شرعية المقاومة
ما بين الطرفين، تبدو الرؤية الأميركية الإسرائيلية واضحة، وهي أخذ لبنان إلى خانة المعترف بحدود “إسرائيل”، مع ما سيعنيه ذلك بأبعاده العسكرية والأمنية والتسلحية. لن ينفصل ذلك عن زيادة منسوب الضغوط الأميركية والدولية على عون، في إطار الحملة المستمرة عليه لإيقاع الخلاف بينه وبين حزب الله. وبالنسبة إلى حزب الله، فإن أي قرار في ملف التفاوض لن يكون بالإمكان اتخاذه من دون موافقته، لا سيما أن الاتفاق النهائي سيكون خاضعاً لإقرار في مجلسيّ النواب والوزراء. بمعنى آخر، سيكون الحزب عنصراً أساسياً في عملية التفاوض ولو عبر رئيس الجمهورية، أو عبر بعض أعضاء اللجنة التفاوضية من الجانب اللبناني. لأن ما يراد تحقيقه من هذه المفاوضات، هو تكريس الثنائي الشيعي كمفاوض أساسي أمام المجتمع الدولي على تلك المنطقة التي يسيطر عليها، ليس عسكرياً فقط بل أمنياً واجتماعياً واقتصادياً.

هنا، لا يمكن معرفة حدود الضغط الأميركي، وإلى أي مستوى سيبلغ مداه، وهل صحيح أن الضغوط ستستمر لتصل إلى حد إقرار قوانين تتعلق بفرض عقوبات اقتصادية على البيئة الاجتماعية الحاضنة لحزب الله؟ بمعنى فرض عقوبات على مناطق معينة أو مؤسسات منتجة وفاعلة في هذه المناطق، بغية المضي في عملية زرع الشقاق بين الحزب وبيئته، أم أن الأمور لن تصل إلى هذه الحدود، بما أن مسار المفاوضات قد انطلق، وهناك احتمالات لتقديم تنازلات؟ حزب الله لن يتخلى عن ما انتزعه في اتفاق نيسان عام 1996، أي شرعية المقاومة. لكن اليوم سيكون لذلك ترجمة مختلفة، ترتبط بشرعية التفاوض. فكما انتزع سابقاً شرعية العمل المقاوم المعترف به دولياً، هو يريد انتزاع اعتراف دولي به، كقوة سياسية أساسية ومقررة في مسار التفاوض.

تحولات سياسية
لا يبدو أن أموراً أساسية ستتغير أو تتبلور قبل انعقاد الجلسة التفاوضية الأولى، في الرابع عشر من الشهر الحالي. منها، سيتم استشراف المرحلة المقبلة، وأفق عملية تشكيل الحكومة وشكلها ومكوناتها. مع ما سيؤدي ذلك إلى فرز جديد على الساحة اللبنانية، لا سيما بما يرتبط بالمعادلة السياسية القائمة، والتي ستفترض تغييراً في الوجوه. هذا المسار كانت قد اتضحت معالمه، مع ترؤس شخص من نوعية حسان دياب للحكومة، وتسمية مصطفى أديب فيما بعد، وصولاً إلى التداول باسم محمد بعاصيري. 

واللافت أن هذا الكلام، يأتي بعد كلام سياسي يتحدث عن احتمال العودة إلى خيار سعد الحريري أو نجيب ميقاتي. ليتبين أن استحضار إسم بعاصيري، يهدف للقول إن الرئيس المفترض للحكومة يجب أن يكون من هذه الطبيعة، وليس من طبائع السياسيين، بمعنى قطع الطريق على أي فكرة للتداول بترئيس الحريري أو ميقاتي للحكومة. ويؤشر ذلك إلى أن ما كان قائماً في السابق كله سيتغير. وما يسري على رئاسة الحكومة سينسحب على رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس النيابي مستقبلاً.

إيران المتراجعة
كل ذلك سيترافق مع المزيد من الضغوط الاقتصادية والسياسية، وخصوصاً على حلفاء حزب الله، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحرّ. جزء من هذه الضغوط سيرتكز على إظهار إيران بموقع المتراجع، غير القادرة على حماية حلفائها لا في أرمينيا ولا في سوريا ولا في العراق أو لبنان. ستقود هذه الضغوط إلى خوف كبير لدى المسيحيين، المؤمنين بنظرية التحالف المشرقي، بمعنى أن كل الرهانات على الشرق قد سقطت. وروسيا نفسها لم تعد قادرة على حماية حلفائها، لا في اليونان وقبرص ولا في أرمينيا ولا في سوريا.

تلك الصورة ستستخدم أميركياً بشكل مركّز لإبراز المحور الإيراني كمتلقٍّ لضربة قاصمة في ناغورنو قرباخ، في وقت يسير فيه حلف الممانعة بمفاوضات مع إسرائيل، كأن القوم ما كانوا، خصوصاً في ظل الكلام عن استعداد النظام السوري للدخول في مفاوضات أيضاً، بناء على نصيحة روسية. 

كل هذه الضغوط ستستخدم لتخيير المسيحيين بين تحالفهم مع إيران التي لن تتمكن من حمايتهم وتخويفهم من التقدم التركي، أو تشجيعهم على الانفكاك عن إيران وروسيا، والالتحاق بالغرب الذي تقوده أميركا.
هذه المعادلة أيضاً ستفرضها أميركا على إيران وشيعتها.