الرئيسية / home slide / مغدوشة بعقلٍ بارد

مغدوشة بعقلٍ بارد

03-09-2021 | 00:05 المصدر: النهار

سمير قسطنطين

شبان من عنقون يقطعون الطريق العامة في مغدوشة.

في أحداث بَلْدَتي مغدوشة قيل كلامٌ كبير، وملأَت عباراتٌ طائفيّة مؤسفة وسائلَ التواصل الإجتماعي. أُريدُ أن أقرأَ وبعقلٍ بارد أربع ملاحظات في الجوّ الذي شغل لبنان ثلاثة أيّام.أولاً، الخلاف لم يكن خلافاً طائفيّاً. لا أقولُ هذا الكلام مسايرةً لأهل #عنقون، ولا لمناصري #حركة “أمل”. خلافاتٌ مثل هذه حصلت في العبّاسيّة بين طرفين شيعيّين ينتميان إلى الحركة. حصلَ ذلك أيضاً في “تول” النبطيّة، والمصيلح وبعلبك. أمورٌ كهذه تحصل في طرابلس وامتداداتها يوميّاً، ويسقطُ قتلى. لكن، ولأن مغدوشة #بلدة مسيحيّة، ولأن الّذين تسبّبوا بالحادث هم من أبناء عنقون الشيعيّة، فقد بدا الخلافَ وكأنه طائفي. ثانياً، ما حصلَ في مغدوشة يدلُّ على أمرٍ أساس، وهو تفلُّتُ بعض الحزبيّين من سُلطةِ حزبهم. حَمَلَ أبناء عنقون الذين كانوا على المحطّة سكاكين وأدوات جاهزة لحوادث عنف. هل سعَت حركةُ “أمل” إلى العنف؟ لا أعتقد. هل طَلَبت “أمل” من مُناصريها الذهاب إلى محطّة مغدوشة مُدجّجينَ بالسّكاكين والتورّط في الحادثة؟ أجزم أنّ هذا الأمر غيرُ صحيح. هذا لا يُعفي حركة “أمل” من المسؤوليّة. لكني أقول وبوضوح إن ما حصل، لا يُفيدُ حركة “أمل” بشيء، لا في الأمن ولا في السياسة، ولا يُضيفُ إلى قوّة الرّئيس نبيه برّي شيئاً لا في الجنوب، ولا في قُرى شرق صيدا المسيحيّة. والرّئيس برّي شخصياً يُدركُ تماماً ما أقول. ثالثاً، قد تُحاولُ أحزاب مسيحيّة أن تستفيدَ من ظرفٍ كهذا. لا بأسَ بذلك. لكنّي أعتقد أنّه لا لزوم لمواقف سياسيّة حول مغدوشة من الأحزاب المسيحيّة ما لم تكن هذه الأحزاب على درايةٍ تامّة بما حصل. وإذا رغبَ أحدُهم في أن يزور مغدوشة، فأهلاً وسهلاً به، لكن مغدوشة الآن بحاجةٍ إلى تضامن أبنائها أكثر مما هي بحاجةٍ إلى زيارات. هذا الموقف الذي أطلُبُهُ من أحزابٍ مسيحيّة، يجعلني أقول لحركة “أمل” التي ذكَرَت في بيانٍ أصدرته أنّها بذلت دماً من أجل الحفاظ على مغدوشة، إنّ التّاريخ قد لا يُشيرُ إلى ذلك، وهو قد لا يُشيرُ إلى عكسهِ أيضاً. باختصار، نحنُ لسنا بحاجةٍ إلى غَيرةٍ غير مدروسة من أيّ حزبٍ مسيحيٍّ، ولا إلى تمنينٍ غير دقيق من أيّ حزبٍ شيعي. رابعاً وأخيراً، أظهرت الحادثة حاجَتيْن أساسيّتين. الأولى هي إلى جسمٍ مرجعيٍّ في مغدوشة، أعضاؤهُ ليسوا من أهل السياسة، بل من الحكماء، يكونُ عقلاً يُفكّرُ بشكلٍ بارد تحت الضّغط، ويستطيع وقت المُشكلة أن يُفكّر في الحلّ. والثّانية هي حاجة مغدوشة وكلّ بلدة لبنانيّة إلى الدّولة، هذه الدّولة التي تمثّلت بالجيش الذي أنهى التّوتّر الشّارعيَّ. تذكروا معي حادثةُ عربِ خلدة وحزب الله. من أوقفَها غير الجيش؟ الحاجةُ إلى الجيش تنفي الحاجةَ إلى الاستغاثة بزعيمٍ أو بمرجعيّة حزبيّة. لا ينفعُ كلامٌ من مثل: “مغدوشة أمانةٌ في عنقِكَ لتُحافظ عليها”. مغدوشة بحاجة إلى حماية الدولة فقط. في حادثة خلدة، ألم يكن حزبُ الله بحاجةٍ إلى الدولة لكي يُنهي القتال؟ في ظلِّ تفلُّت حزبيّين من سلطةِ أحزابهم، وعدم وجود رؤية لدى القيادات السياسيّة لحلٍّ ما في لبنان، أعتقدُ أنّ هؤلاء يجبُ أن يقتنعوا أنّهم لا يستطيعون أن يكونوا بديلاً عن الدولة، فهي الوحيدة التي تضع خلاف محطّة البنزين في بُعدِه الحقيقي، بُعدُ الصراع بين المواطنين الطيّبين ومافيات البنزين، وليس صراعاً بين عنقون الشيعيّة ومغدوشة المسيحيّة.