الرئيسية / home slide / معنى الرصيف في الحمرا.. والمسرح أيضاً

معنى الرصيف في الحمرا.. والمسرح أيضاً

الخميس 2022/07/28يوسف بزي
Almodon.com

Rue commerçante d’Hamra en centre ville à Beyrouth, années 1990. (Photo by Jean-Michel COUREAU/Gamma-Rapho via Getty Images)

هنا انتهت وأفلت وماتت عاصمة (Getty)

كان هناك في منطقة الحمرا ورأس بيروت: فرساي، ستراند، ألدورادو، البيكاديللي، مونتي كارلو، الحمرا، برودواي، كوليزيه، سارولا، إتوال، استرال، بلاديوم، أديسون، بافيون، كومودور، كونكورد، أورلي، مارينيان، الخيّام، كليمنصو، مونتريال، أرسكو.. 22 صالة سينما ومسرح، إن لم ننسَ إحداها (وعدا نوادي السينما). وكي تحيا وتستمر كل هذه الصالات والمسارح، علينا أن نتخيل لا فقط عدد روادها اليومي الضخم، بل رسوخ “الاستهلاك الثقافي” كجزء من خيارات العيش، وكأولوية في الحاجات اليومية للسكان.

على امتداد الشارع الرئيسي وحده كان هناك بين سبعة وتسعة مقاهي رصيف، ازدادت ونقصت، مات بعضها وولد بعضها الآخر. لكن باستمرار، كانت المقاهي في الحمرا هي ضابط إيقاع المشهد. بما يعني ذلك من طقوس فردية واجتماعية ومساحة خاصة ومشتركة لتأليف فضاء عام للتواصل والتعارف والاسترخاء، بل ومنح هذا الطقس وقته ضمن يوميات كل فرد. على أن مقاهي الرصيف هذه مغايرة تماماً لـ”المقاهي الشعبية”، وظيفة وسلوكاً واجتماعاً.

بالمقابل، كان هناك 14 مكتبة كبيرة بين بلس والحمرا، وعدد غير محدد من المكتبات الصغيرة، يضاف إليها بسطات دائمة للكتب لا يقل عددها عن خمس عشرة، وكذلك عشرة أكشاك ثابتة للصحف والمجلات في الشارع الرئيسي وحده. ولذا، يمكن القول أن عاصمة الكتاب والصحافة والقراءة كانت هنا في هذا الشطر من بيروت.

اثنتان من أفضل جامعات الشرق الأوسط متمركزتان هنا، مع أرجحية المساحة الهائلة وعدد الطلاب الضخم للجامعة الأميركية. ومن غير نسيان “الخليط” البشري المتعدد الجنسيات لأولئك الطلاب والأساتذة. وهو ما استجلب أنماط سكن وخدمات واستهلاك وعلاقات مدينية بالكامل.

إلى جانب ذلك، تلك المدارس الأجنبية الخاصة الفرنكوفونية والأنجلوفونية في هذا الجزء من العاصمة (كان هناك مدارس ألمانية وإيطالية أيضاً)، ونوعية التعليم والخيارات الثقافية والاجتماعية المتأتية عنها، وأثرها في ولادة أجيال من الطلاب الذين يختبرون أفكاراً ويكتسبون قيماً حديثة ومعولمة.

أيضاً، مقار أبرز الصحف والمجلات ودور النشر ووكالات الصحافة الأجنبية والعربية، ومؤسسات الأبحاث، ومكاتب الترجمة، والمطابع الكبرى، كانت تتوزع في أنحاء رأس بيروت. وهذه تستلزم بداهة، مجتمعاً كاملاً، نساء ورجالاً، من الكتّاب والصحافيين والباحثين والمفكرين والفنيين والمصممين..إلخ.

وبالطبع، ما من شركة “محترمة” في الشرق الأوسط لم يكن لديها مكتب أو مقر في هذه المنطقة. وما لا يعد ولا يحصى من مكاتب المحامين وعيادات الأطباء وشركات الهندسة والمقاولات، والوكالات التجارية، ومن مصرف لبنان المركزي إلى الفروع الرئيسية لكل المصارف اللبنانية والأجنبية. وهؤلاء يشكلون عصب الطبقة الوسطى المدينية ونخبتها.

ومع وجود مستشفى الجامعة الأميركية الأشهر والأعرق والأكثر تقدماً حتى وقت قريب، انبثقت ستة مستشفيات صغيرة ومتوسطة في محيطها. وبالتالي، انتشرت المختبرات الطبية والعيادات الخاصة ومعارض المستلزمات الطبية، ومراكز علاج وأبحاث علمية. وهو ما أحال رأس بيروت إلى مركز الاستشفاء الأكثر تطوراً في المشرق العربي كله. وهذا كله أيضاً أتى ببشر، مقيمين وزائرين، هم خليط من كفاءات علمية وأكاديمية يمنحون رأس بيروت حضوراً اجتماعياً وثقافياً نوعياً.

وعلى هامش هذا التعداد، يمكن الانتباه إلى الوجود الكمي والمكثف لوظائف تتطلب المهارات والشهادات العلمية والتدريب والكفاءة، كالتمريض والسكريتارية والمحاسبة وإدارة الموارد والصيانة التقنية.. وجميع ممتهنيها يتلاقون هنا بتعدد منابتهم وخلفياتهم الاجتماعية وباختلاف أهوائهم وأمزجتهم.

بالتأكيد، لا يمكن إغفال واجهات الحمرا ورأس بيروت، أي محالها التجارية التي كانت تلاحق وتتشبه وتطمح لمنافسة “شانزليزيه” متخيلة. ضعف عدد صالات السينما وأكثر كان عدد متاجر الذهب والمجوهرات. المتاجر المخصصة للعطور، وتلك المختصة بالتجميل. العلامات التجارية الأكثر شهرة عالمياً كلها بلا استثناء في هذا المربع الكوزموبوليتي. شارع المقدسي وحده كان عبارة عن ميلانو صغيرة للشغوفين بالأناقة الباهظة.
وليس صدفة كذلك أن يتوجد بين الجامعة الأميركية غرباً وفردان شرقاً أكثر من ثلثي عدد فنادق بيروت. فمن هنا “الدخول” بالمدينة، وهنا قلبها النابض، وهنا اكتشافها ومعاشرتها، وهنا كل “الغرباء” يستأنسون.

كان التنزه في الحمرا هو مشاهدة مديدة للموضة، للعرض المتواصل لقوس قزح أنماط اللباس والهويات والأهواء والتفنن الفردي في الظهور.

لا بد أيضاً من الانتباه إلى أن 90 بالمئة من غاليريات الفنون التشكيلية كانت حتى مطلع الألفية الجديدة متمركزة في الحمرا ورأس بيروت. وإلى جانبها المراكز الثقافية للبعثات الأجنبية والسفارات، ومعاهد وورش و”مراسم” (أتيلييه) الفنانين، واستديوهات التصوير، وشركات الأفلام وموزعيها، واستديوهات تسجيل الموسيقى. وهي بدورها كانت تعني انجذاب ممارسيها ومنتجيها والطامحين إلى اكتسابها للسكن والإقامة في هذه الشوارع والأحياء.

وما يوازي كل هذا، هناك أيضاً عالم المطاعم الذي كان في رأس بيروت والحمرا. “عالم” بكل معنى الكلمة والجنسيات والمطابخ. الباتيسري والسناك والوجبات السريعة أيضاً، وبما يوائم إيقاع الحياة اللاهثة.

ثم هناك “الليل” بكل أبهته وصخبه. السهر، الحانات والمسارح والكباريهات والمراقص و”علب الليل” والأضواء التي ما كانت تنطفئ.

وفي البداية وأولاً، معنى الرصيف في الحمرا. فضاء الحب الحر أيضاً، أجيال المغامرات السياسية والأيديولوجية، الهواء المثقل بالأفكار الكبرى المتصارعة فوق هذه الكيلومترات المربعة القليلة. اختبار عدد لا يحصى من الهويات و”الآخر”.

بعد العام 2008 قلت أن الأمر انتهى وأفل ومات. واستجلب قولي هذا استنكاراً ونفياً كثيراً.

ربما أبكرت واستعجلت قليلاً.. لكن اليوم، لا شك في المآل والمصير. ولن أكون من هواة “مجالس عزاء” التاريخ، ولا من محبي استحضار أرواح الماضي.