معضلات الكهرباء، معالجة النفايات، تأمين المياه النظيفة، الحكومة الإلكترونية

 


مروان اسكندر
النهار
16022018

تبدو جميع المعضلات التي يشير اليها العنوان وكأنها غير قابلة للحل. والواقع ان المعضلات الثلاث الاولى اصبحت محلولة في محيط لبنان، وهي كذلك في الاردن، واسرائيل، والامارات العربية المتحدة، والكويت، ومصر التي رزحت تحت وطأة استهلاك بسرعة فائقة وعجز في الامدادات الكهربائية، لكنها تغلبت على تحديات توافر الغاز وتوفير الكهرباء خلال سنتين، وستكون دولة مصدرة للغاز الطبيعي والغاز المسيل خلال سنة لان اكتشافات الغاز في مياهها الاقليمية تطورت بسرعة كبيرة وطاقة انتاج الكهرباء ازدادت 35,000 ميغاوات خلال سنتين، اي عشرة اضعاف ما نحتاج اليه، وما هو متوافر نظريًا من المعامل العاملة والسفينتين والمولدات الخاصة.

ان هذا المقال يتناول فقط بعض جوانب معضلة الكهرباء لان البحث في المعضلات الاربع يحتاج الى كتاب يجب تأمينه لمليون لبناني ولبنانية من اجل تعميم الادراك للفشل الذريع لدى الحكم وبصورة خاصة خلال الفترة التي تلت اغتيال رفيق الحريري قبل 13 سنة يوم 14 شباط 2005.

عام 1927 عندما كان الفرنسيون يديرون شؤون لبنان بتكليف من عصبة الامم كان هنالك كهرباء في لبنان، وقد استمر تطوير الكهرباء بوتيرة تغطي الحاجات المتزايدة حتى عام 1975، لان شؤون الكهرباء كان يديرها أفرقاء مقتدرون تولوا الاشراف على تأمين التيار الكهربائي من مناصبهم القيادية في مصلحة كهرباء لبنان، ومن هؤلاء المرحوم سليم لحود والاخوان البزري.

مشاكل تأمين الكهرباء بدأت تظهر بقوة مع توسع حلقات الاقتتال وتدمير بعض القرى وانتقال جماعات لبنانية من قراها الى مناطق سكن جديدة، وتعاظم موجات البناء التعويضي وتباعد فرق التعاون بين المناطق، فانتشرت المولدات الخاصة على شرفات المنازل، وفي كاراجات الابنية الحديثة، ولم يستعد نفس اصلاح اوضاع الكهرباء الا مع تشكيل حكومة الرئيس رفيق الحريري اواخر عام 1992.

منذ عام 1993 وضع برنامج لانجاز معامل بطاقة 480 ميغاوات في البداوي على مقربة من طرابلس وفي الزهراني بطاقة مماثلة، ومعملين بطاقة 80 ميغاوات لكل منهما في بعلبك وصور.

اوائل القرن الحادي والعشرين كانت الكهرباء متوافرة لغالبية اللبنانيين وكان الرئيس الحريري يسعى الى خفض كلفة استيراد المازوت لتشغيل محطتي البداوي والزهراني وتأمين الغاز للمعملين، الامر الذي يخفض كلفة استهلاك اللقيم الى ما لا يزيد عن 30 في المئة من كلفة تأمين المازوت. وعلى رغم العراقيل التي وضعت في طريق مساعي الرئيس الحريري، خصوصاً ان سوريا كانت باشرت بيع لبنان كميات ملحوظة من الطاقة الكهربائية، توصل الى تحفيز سوريا والاردن ومصر على اتفاق لاستيراد الغاز من مصر وهذا ما حصل خلال عام 2004 وبضعة اشهر من عام 2005.

وبعد اغتيال الرئيس الحريري، أوقف السوريون امدادت الغاز المصري للبنان استنادًا الى الادعاء ان حاجاتهم تفرض استهلاك كميات الغاز التي تضخّ الى لبنان، والسبب الوحيد كان توجيه الاتهامات الى الحكم السوري باغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005.

قبل نهاية عام 2005، كانت مشاكل الكهرباء على تعاظم واصبحنا نشهد استيراد مولدات كبيرة لمؤسسات صناعية وللمستشفيات والمدارس والابنية الشاهقة التي كانت تنجز ودون كهرباء لا يستطيع أهلها الوصول بسهولة الى شقق سكنهم، واصبحت ادارة الكهرباء في ايدي الوزراء المتعاقبين على وزارة الطاقة والمياه والمدير العام كمال الحايك. وتعاظمت السرقات على الخطوط، وتردت جهود تحصيل المستحقات من المستهلكين وتنوعت امكانات التهرب، سواء عن سبيل العبث بالعدادات او تغاضي المحصلين والمياومين عن تقييد الاستهلاك الحقيقي، وتعثرت اعمال تجديد خطوط النقل، ولم يكن هنالك برنامج متكامل لمعالجة قضايا الكهرباء.

الخطة الاصلاحية وضعت في إشراف الوزير جبران باسيل عام 2010 وتم اعتمادها تشريعيًا عام 2011 وقد لحظت زيادة طاقة الانتاج 750 ميغاوات، وانجاز اصلاحات الشبكة وازالة التعديات، واختيار اعضاء مجلس ادارة جديد والتوجه نحو استعمال الغاز كلقيم، وانجاز محطات تحويل في مناطق متعددة، وفرض القانون على الوزير اجراء مزايدات شفافة والاستعانة بالتمويل من الصناديق العربية والدولية، وتأليف الهيئة الناظمة للكهرباء واعطي مخصصات توازي 1.2 مليار دولار.

الحصيلة كانت انجاز تلزيم لمحطة جديدة في البداوي بطاقة 480 ميغاوات عام 2013، ولا يزال العمل على تحقيق اي خطوة متوقفاً لخلاف غريب في شأن استحقاق الضريبة على القيمة المضافة على العقد، وكان قد استثني منها، لان اي وزارة تدفع ضريبة مضافة على عقد، تنتهي مدفوعاتها لدى وزارة المال، واليوم نواجه ملاحقة قانونية في المحاكم الدولية لان الوزارة لم تؤمن امكان تنفيذ العقد.

وانجازات الوزراء المتعاقبين على وزارة الطاقة والمياه منذ عام 2010 تختصر بالآتي:

– زيادة طاقة معمل الزوق 170 ميغاوات بتكاليف تراوح حول 200 مليون دولار. وعلى الغالب انخفضت طاقة انتاج معمل الجية الذي كان يفترض استفادته من هذا البرنامج بما يماثل الاستفادة من الطاقة المستحدثة في الزوق.

– انجاز محطات تحويل في زحلة، والضاحية، وبيروت، وطرابلس.

– استئجار باخرتين لانتاج 270 ميغاوات.

– اصلاحات جزئية للشبكة المهترئة دونما تحسين يذكر وعجز عن اتمام وصلة المنصورية التي يفترض ان تحسن التوزيع الكهربائي من المصانع القائمة والسفينتين بنسبة 10 في المئة.

وبقيت المشاكل العالقة، هي:

– شبكة مهترئة تؤدي الى خسارة تقنية على مستوى 15 في المئة.

– سرقات واضحة ومستمرة تؤدي الى خسارة 20 في المئة من الانتاج الذي يجري توزيعه.

– تمنع عن تسديد نسبة 15 في المئة من الفواتير، وهذا التمنع يشمل مؤسسات للدولة ونواباً ووزراء الخ.

– تحصيل فعلي بقيمة 650 مليون دولار سنويًا مقابل تكاليف لمصلحة كهرباء لبنان تبلغ 2.8 ملياري دولار الامر الذي يعني ان استمرار الوضع اصبح بمثابة استمرار شركة مفلسة تدفع الدولة لاستمرارها 2-2.2 مليار دولار سنويًا تمثل 50 في المئة من عجز الموازنة.

– تأخير تنفيذ مشروع لتطوير وزيادة انتاج معمل قاديشا من 150 ميغاوات الى 230 ميغاوات بواسطة فريق من اهل طرابلس مؤلف من 12 مستثمرًا يتعهدون بعد تملك الامتياز انجاز الاعمال وفتح مجال الاستثمار للبنانيين عمومًا، وحظي المشروع ودراساته بموافقة الوزير وبحماسة رئيس الجمهورية منذ سنة و45 يومًا من غير ان يطلق.

وكان انجاز المحطة وتحويلها الى القطاع الخاص سيؤمنان الكهرباء مقابل 16 سنتًا للكيلووات/ ساعة في حين إن كلفة انتاج المعامل القائمة والعاملة بما فيها السفينتان القائمتان تبلغ 23.5 سنتاً للكيلووات/ ساعة. وحيث ان الخسارة على الخطوط لاسباب معددة تبلغ 50 في المئة تكون كلفة الكيلووات/ ساعة المفوتر 35 سنتًا والرسوم لم تتغير منذ سنوات. محطة قاديشا لو جهزت خلال العام 2017 كانت وفرت على الحكومة 306 ملايين دولار من الدعم ومبلغاً مماثلاً على عجز ميزان المدفوعات.

باختصار كلي، مصلحة كهرباء لبنان مفلسة، واستمرار عملها دون انضباط يلقي اثقالاً على لبنان تناهز منذ 2005 نسبة 42 في المئة من الدين العام، واصلاح اوضاع الكهرباء هو مفتاح الحصول على مساعدات واستثمارات تسعى السلطات الى تأمينها، وكما قال وليد جنبلاط، السياسي المتعمق في القراءة والتحليل، الكهرباء بادراتها وعجزها المالي هي العلة الاساسية التي يجب التغلب عليها اذا شئنا التقدم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*