الرئيسية / home slide / معركة “المالية” في الوقت الغلط

معركة “المالية” في الوقت الغلط

30-09-2020 | 00:22 المصدر: النهار

غسان العياش

وزارة المالية.

في ظاهر الأمور، السبب الذي أدّى إلى تعثّر المبادرة الفرنسية وفشل تشكيل الحكومة الجديدة هو إصرار “حزب الله” وحركة “أمل” على إيلاء حقيبة المال لوزير، حصراً، من الطائفة الشيعية.  القريبون من كواليس التشكيل يسرّبون أن “الثنائي” وافق في البداية على مبدأ المداورة في توزيع الحقائب، لكنه بدّل رأيه بعد القرار الأميركي بفرض عقوبات على الوزيرين السابقين يوسف فنيانوس وعلي حسن خليل.  ليس شغلنا هنا أن نتحرّى عن أسباب تبدّل موقف حركة “أمل” و”حزب الله” من المداورة في الحقائب. ما نحن معنيّون به هو مناقشة حقّ الممثلين السياسيين للشيعة بفرض “شيعية” وزير المال في كل الوزارات الآتية، وجعله عُرفاً يرقى إلى مصاف الأعراف الطائفية التي ترمي بثقلها على كاهل البلد. الواقع أن لحقيبة المال اعتبارات خاصّة تميّزها عن سائر الحقائب الأخرى. طائفة الوزير ليست المشكلة، لكن انتماء وزير المال إلى أي فريق سياسي وخضوعه لقراراته يؤدّي إلى خلل خطير في مسار الدولة لأنه يسمح لهذا الفريق بالتحكّم بمسار الإدارات والمؤسّسات العامّة “بالجملة وبالمفرّق”. خلال إعداد الموازنة يتحوّل وزير المال إلى رئيس ثان للوزراء، كما تسمّيه كُتب المالية العامّة في فرنسا. فهو يتلقّى مشاريع الاعتمادات الواردة من كل الوزارات ويعدّل أرقامها وفقاً لاستنسابه قبل إحالة مشروع الموازنة على مجلس الوزراء. وبعد إقرار الموازنة في مجلس النواب، يتحكّم وزير المال بتنفيذ النفقات واحدة واحدة، إذ لا يجوز لأي وزير أن يعقد نفقة من دون تأشير مسبق من ممثّل وزارة المال، مراقب عقد النفقات، وهي تخضع للمراجعة في وزارة المال مرّتين قبل تحوّلها إلى أوامر دفع. لذلك، فإن الممارسة السليمة تقضي بعدم انتماء وزير المال إلى أية مرجعية سياسية أو طائفية، وتفترض أن يتمتّع بالاستقلالية والنزاهة والعلم والخبرة والشجاعة والرؤية، والقدرة على مواجهة الضغوط.  الإصرار على طائفة وزير المال لم يكن مناسبا على الإطلاق. كما أنه تحوّل إلى أزمة سياسية وطائفية في وقت غير مناسب وظروف غير مناسبة، بسبب استمرار الانهيار الاقتصادي وتسارعه، وبالتالي حاجة لبنان إلى سرعة تشكيل الحكومة على قاعدة برنامج إصلاحي محدّد وواضح لإنقاذ البلاد.  بعد انقضاء منتصف العام، بدأت تتزاحم الأرقام التي تثبت ما كان متوقّعا، وهو أن الاقتصاد اللبناني يواصل هبوطه السريع على طريق الانهيار. الانخفاض الطفيف في عجز الموازنة خلال النصف الأول من السنة الجارية ليس انخفاضا صحّيا على الإطلاق، بل هو على العكس ظاهرة غير صحّية لأنه نجم عن انخفاض إيرادات الدولة ونفقاتها معاً. وفيما يؤشّر تراجع الواردات إلى تقلّص النشاط الاقتصادي ككل، فإن انخفاض النفقات دليل على عدم قدرة الدولة على الإنفاق، وبالتالي عجزها عن القيام بواجباتها الاقتصادية والاجتماعية في وجه الأزمة. كل ذلك في كفّة ووحش التضخّم في كفّة أخرى، فهو يتصاعد منذ بداية العام الجاري مهدّداً بموجات عاتية من ارتفاع الأسعار، وبالتالي الفقر المدقع وازدياد عدد الفقراء.  سجّل معدّل التضخّم 120 بالمئة في شهر آب الماضي. وكدليل على أنه في تصاعد متسارع نشير إلى أن التضخّم كان يراوح ما بين 11 و17 بالمئة قبل الربيع الماضي. وبوصوله إلى 120 بالمئة في شهر آب لم يبلغ التضخّم أعلى مستوياته بعد، بل إن الأسوأ آت، وهو لم يعد بعيدا.  نبّه بنك الاستثمار العالمي “غولدمان ساكس” إلى أن موجودات مصرف لبنان النقدية بالعملات الأجنبية تتقلّص منذ بداية العام بوتيرة أسرع كثيرا مما كان متوقعا، وهي تنقص بمعدّل مليار دولار شهريا منذ بداية 2020. ساعة يتوقف مصرف لبنان عن دعم الرغيف والدواء والمازوت ستكون ساعة انفجار الغلاء وجنون الأسعار. عندها سيصبح الاستقرار الاجتماعي والأمني والسياسي في مهبّ الريح. كان ينبغي للمبادرة الفرنسية أن تنجح، فتتشكّل الحكومة وتبدأ فورا بتطبيق برنامج الإصلاح. فلا حقيبة المال ولا طريقة اختيار الوزراء ولا الاعتبارات والارتباطات الإقليمية والدولية تستحقّ أن يضحّي اللبنانيون بالاستقرار الهشّ، وأن يقذفوا بوطنهم إلى آتون الانفجار.