الرئيسية / home slide / معرض لميا جريج… تقاطع بين التّاريخ والذّكريات على صوت إيتل عدنان

معرض لميا جريج… تقاطع بين التّاريخ والذّكريات على صوت إيتل عدنان

22-11-2022 | 18:29 المصدر: بيروت النهار العربي

مهى سلطان

أزمنة ملتبسة

أزمنة ملتبسة

ما مدى معرفتنا بالتاريخ؟ سؤال قد يُطرح من باب التشكيك وعدم اليقين، لأننا حين نتصفح المعلومات التي تنطوي عليها وثائق مبعثرة جمعتها الفنانة لميا جريج من أكثر من أرشيف في اسطنبول ونانت في فرنسا، نكتشف أن ثمة نوافذ جديدة تفتح المجال أمام قراءة أوسع وأعمق لحوادث التاريخ بخلفياته وأزمنته الملتبسة. فالمعروف أن الشرق كان هدفاً للمخططات الاستعمارية قبل سقوط السلطنة العثمانية وبعده، لذا فإن الاهتمام بالكشف عن جوهر الحدود الفاصلة بين كتابة التاريخ وتداخل الكتابات المبثوثة في الوثائق مع خلفياتها الإنسانية وأبعادها المفصلية والسياسية، من شأنه أن يحيل إلى خلفيات الخطط الاستراتيجية الاستعمارية التي لعبت دوراً حاسماً في استغلال مآسي المجاعات والكوارث التي جعلت حياة اللبنانيين منقسمة وقتئذٍ بين عالمين: عالم الإقامة رغم المعاناة، وعالم الهجرات القسرية، في مرحلة التحديات السياسية الكبرى التي أدت إلى نشوء وطن اسمه دولة لبنان الكبير.

حوار بين الجبهات

معرض لميا جريج الذي يقام حالياً في غاليري “مرفأ” تحت عنوان “أزمنة ملتبسة”، يكشف تداعيات الحوار بين الجبهات، كاشفاً عن الوعي المتغير المثبت في الوثائق والكتابات الصحافية. فهو يتضمن بحوثاً وكتابات مرفقة بنتاجات أعمال بصرية، تغطي الفترة الواقعة بين نهاية الإمبراطورية العثمانية وبداية الانتدابين الفرنسي والبريطاني على لبنان وسوريا وفلسطين (1914- 1920).

إن اتفاقية سايكس-بيكو، ووعد بلفور، بالإضافة إلى الحرب العالمية الأولى والمجاعة في جبل لبنان التي أدت إلى مصرع مئات الآلاف من البشر، تُعد كلها عوامل غيّرت المنطقة جغرافياً واجتماعياً وسياسياً، عوامل لها تأثيرات جمّة لا تزال تطاول حياتنا إلى يومنا هذا.

وهنا نذكر ما قاله المستشرق الألماني أولريش هارما: “أن الدراسات حول العالم الإسلامي قبل عام 1919، أقل براءة وصفاء نية. فالكتابة الاستشراقية كانت منغمسة في النشاطات السياسية حتى أصبح عام 1914، شديد الحماسة في تعديل الصورة المشوهة التي تولدت في أوروبا حول الشرق. وتكثر في الآونة الأخيرة المؤلفات حول نظرة الغرب للحروب التي تعيشها بلدان سوريا ولبنان وفلسطين، وهي تتوجه باللائمة لما أحدثه المستشرقون حول اتفاقية سايس بيكو وتقسيم فلسطين ورسم الحدود الجغرافية للبنان والمنطقة”.

 التّاريخ وسرديّاته المحتملة

لميا جريج فنانة بصرية بامتياز ومن أكثر الفنانات اللواتي شغلتهن مسألة الذاكرة وخلفيات البعد السردي للتاريخ وتداعيات الحروب والظروف الملتبسة للاستعمار. انتشرت أعمالها على نطاق واسع منذ نهاية عام 1990. أسّست مع ساندرا داغر مركز بيروت للفن، ثم أنشأتا مشروع «المتحف كمحور» التابع لمركز بيروت للفن في مدينة نيويورك في المتحف الجديد عام 2011. تعمل لميا بوسائط متعددة (تتضمن الكتابة والرسم والتصوير وصناعة الأفلام). دخلت أعمالها في مقتنيات العديد من المتاحف المعاصرة، من بينها التيت مودرن ومتحف سان فرنسيسكو للفن الحديث.

 كان عمل لميا جريج على الحروب اللبنانية (1975-1990) ومرحلة ما بعد الحرب في بيروت، بداية للتأمل في التاريخ وسردياته المحتملة، أما في هذا المشروع، فقد توسع بحثها ليطال فترة أبعد في ماضينا، فترة لا تربطنا بها تجارب مباشرة، لكنها رغم ذلك تؤثر على حاضرنا.

فالشعور العارم بالقلق والشك في منطقتنا اليوم قد حرّك اهتمام الفنانة بغية العودة إلى هذه النقطة المفصلية من التاريخ، لحظة التصدّع تلك، وما حملته من تشظٍّ خلّاق. عُرض الجزء الأول من المشروع بعنوان “أزمنة ملتبسة – خارطة التحول”، وهو عبارة عن تجهيز متعدد الوسائط في بينالي اسطنبول في أيلول 2022.

أما هذا المعرض فهو يشتمل على مجموعة من الأعمال الفنيّة متعددة الخصائص (مصورات ورسم على ورق)، وكما في مشاريعها السابقة، تعطي جريج دوراً مركزياً لفكرة المونتاج. وبينما تسلط الفنانة الضوء على بعض الحوادث التاريخية، فإن هدفها لا يكمن في إنشاء حساب تاريخي بذاته، بل برسم تأمل في المناهج التاريخية، بالإضافة إلى مفاهيم الوقتية التي نفهم عبرها الماضي، والحاضر والمستقبل المتعلّق بالأزمنة الملتبسة.

اللوحة كعرض بصري

مع لميا جريج لا بد أن تتغير نظرتنا إلى اللوحة، لأنها تتخذ مفهوم العرض البصريّ الذي يخدم الرسالة أو الفكرة.

وبهذا المعنى وبعيداً من تقاليد المعارض، فإن لوحاتها هي عبارة عن نصوص أرشيفية، فضلاً عن صور فوتوغرافية مندمجة مع تعليقات نصيّة بخط يدها ورسوم توضيحية ذات صفة رمزية جداً، بما يخدم الموضوع المبنيّ على فكرة بحثية شاقة.

كل لوحة هي وثيقة بحد ذاتها ومجموع الأعمال هي بمثابة دفتر يوميات مفتوح، على أعمال مستقبلية مؤجلة. فقد غاصت في أرشيفات الصحف، كما درست الوثائق المكتوبة أحياناً بالتركية عملت على ترجمتها وناقشت مفاصلها التاريخية واستقت من أبعادها وحوادثها وشخصياتها ورموزها، موضوعات لرسوم زيّنت بها صفحات لوحاتها عبارة عن مشاهد أو بورتريهات: قادة وجنرالات الزمن الآفل وقتلى وهدير طائرات الهليكوبتر والجراد وشبح المجاعة، في استعادة لذاكرة هي بالأسود والأبيض.

وكأن لميا جريج توقظ التاريخ من سباته لتقول لنا بأن التاريخ يعيد نفسه أحياناً، لا سيما أن فصول الأمس تكاد تشبه إلى حد بعيد ما نعيشه اليوم من نكبات حروب وانقسامات وفقر وإعادة ترسيم للحدود وانهيارات اقتصادية ومالية وظروف معيشية صعبة ونزوح وهجرات.

نستذكر معها بالوثائق كيفية ترسيم حدود لبنان الكبير عام 1920 بداية الانتداب الفرنسي، وما له من إسقاطات معاصرة على موضوع الترسيم البحري للبنان مع العدو الإسرائيلي راهناً، كما نقرأ عبارة “سفر برلك” كشعار لمرحلة المآسي، والمجاعة وشبح القحط الذي خيم على لبنان بسبب الجراد.

ومن الذاكرة الجماعية للتاريخ تنقلنا لميا جريج إلى رسائل ووثائق من ممتلكات أفراد عاشوا أهوال المرحلة، ثم إلى ذاكرة جدها “أسعد ضو”، وكان محامياً من عائلة ميسورة من البترون، هذه المنطقة التي شهدت عام 1916 غزواً للجراد ساهم في تخريب أراضيها الزراعية، وكان سبباً في أن جدها قضى نحبه حين صعد على صخرة عالية ليشاهد سحابة من الجراد تغطي السماء، فسقط من أعلى الصخرة من هول المشهد. قلائل الذين يعرفون تلك الشخصية النهضوية المغمورة، خصوصاً أنه أنشأ مدرسة للحقوق في البترون وأطلق منذ عام 1910 صحيفة “مشهد الأحوال” التي توقفت عن الصدور إبان الحرب العالمية الأولى.

وثيقة عن ترسيم الحدود اللبنانية إبان الانتداب الفرنسي 1920

محادثات مع إيتل عدنان

بالتزامن مع معرض “أزمنة ملتبسة”، تقدّم الفنانة عرضاً لفيلم فيديو قصير بعنوان “شمس وبحر” أنتجته تلبيةً لدعوة إيتل عدنان، لتصوير فيلم مستوحى من أولى قصائدها باللغة الفرنسية عام 1949.

وهي مناسبة لاستذكار تلك الفنانة في الذكرى السنوية الأولى لرحيلها. يكشف الفيلم (17 دقيقة منفّذ عام 2022) عن خفايا المحادثات المتتالية التي تمت في باريس بين إيتل ولميا، فتقول ليما في واحدة من محادثاتها المصورة ما بين عامي 2012- 2015، “تَحَدثنا عن طفولتنا وعن أهلنا وعن نهاية الإمبراطورية العثمانية، وسألتُها عمّا كان من الممكن أن يحصل لو نجح الأمير فيصل في حكم المملكة العربية المستقلة، وهل كان سيدوم ذلك؟ وكان جوابها مشككاً في القدرة على الاستقرار، سواءً نجح المشروع أم فشل، كانت هذه الدول العربية ستواجه المشكلات نفسها التي يواجهها لبنان، كيف سيُدار هذا التنوع؟ كانت السلطنة العثمانية قد أدارت هذا التنوع جيداً من القسطنطينية وقبلت به، كانت الأحاسيس القومية تشعل الخيال”.

بدأ مشروع الفيلم من خلال ما قدمته لميا لإيتل من صور عن جزيرة يونانية حازت إعجاب إيتل، كي تعود لميا في السنة التالية إلى الجزيرة نفسها من أجل تصوير فيلم يتمحور شاعرياً حول أحوال البحر، مع دفء وميض الشعر بصوت إيتل عدنان، مع تحولات ذلك العالم المائي الكبير المتغير كل يوم مع مشهد قرص الشمس منذ أعلى الشروق إلى آخر المغيب.