الرئيسية / home slide / معرض صور وخرائط بيروت درّة الشرق (1840-1918) في متحف “نابو”: “كان زمان”

معرض صور وخرائط بيروت درّة الشرق (1840-1918) في متحف “نابو”: “كان زمان”

10-12-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

الجزء الجنوبي من ساحة البرج بعدسة المصور هيبوليت أرنو عام 1885.

الدكتور فيصل سلطان

زيارة معرض صور وخرائط بيروت (1840 -1918) في متحف “#نابو” (#الهري-شمال #لبنان)، أشبه برحلة لاستعادة زمن منسي لبيوت بيروت وسطوح قرميدها وجنائنها التي لامست اهداب الحارات والشوارع الضيقة والمرفأ القديم. رحلة بصرية تستند في جوهرها الى مجموعة واسعة من الصور والخرائط والكتب القديمة والوثائق النادرة، جمعها الباحث بدر الحاج طوال عقود ودرس معالمها كي يستجلي قيمها واسرارها. وحقق من خلالها جولة فوتوغرافية رائعة في قلب بيروت الماضي، الغنية بتراثها المعماري ومرفئها ومناظرها الريفية الخلابة، وحكايات أسواقها التجارية التي كانت تتوسع وتتكامل مع التغييرات التي شهدتها في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909)، الذي جعل بيروت درّة الشرق.

باب يعقوب تصوير الأخوة صرفيان عام 1900.

انقلابات معمارية رافقت تحولاتها من مظاهر ريفية الى نسيج مديني في مشاريع تطوير وتحسين مرفأ بيروت، الذي نفذته شركة عثمانية-فرنسية في العام 1889. نتلمس ملامح تلك التحولات في العديد من الصور التي التقطها رسامو الخرائط المساحية والمهندسون والمصورون الهواة والمصورون الفوتوغرافيين الأجانب والمحترفون الذين افتتحوا استوديوهات للتصوير في بيروت. صور التُقطت كوثائق ومناظر طوبوغرافية، سرعان ما تحولت الى “كارت بوستال”، راج استخدامه في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. مناظر ووجوه وازياء شعبية غالبا ما استخدمها الرسامون في تجسيدهم للحياة الشرقية.
يكشف المعرض تاريخ التقاط اول صورة شمسية في مدينة بيروت العام 1840 ويقدم شواهد عن حاضرة تلك المدينة وما شهدته من احداث وعمران لغاية 1918 تاريخ انسحاب القوات التركية وبداية الاحتلال الأوروبي، علماً أن مجمل صور بيروت في القرن التاسع عشر، تعود الى مقتنيات المتحف. عمل الباحثان سمير مبارك وبدر الحاج بجهد هائل في كتابهما بيروت (1840 – 1918) الصادر حديثاً لمناسبة المعرض، لتصنيف هذه الصور وابرازها. وبمساعدة من رئيس جمعية تراث بيروت سهيل منيمنة تم تحديد غالبية المواقع في هذه المدينة، واعداد وصف مفصل للوحتين بانوراميتين لبيروت رسمهما بالألوان المائية الديبلوماسي البلجيكي بنجامين ماري في العام 1845 من وحي مقولة كتبها الشاعر الفرنسي لامارتين في كتابه رحلة الى الشرق العام 1832 وصف فيها سحر مناظر مدينة بيروت قائلا: “لقد حلمت بجنة عدن، بوسعي القول انني رأيتها”. والمعروف ان لامارتين سكن لحقبة من الزمن مع عائلته في بيروت.

صور لمعالم مندثرة
شجعت حرية الملاحة في مرفأ بيروت منذ مطلع ثلاثينات القرن التاسع عشر الأجانب لزيارة الأراضي المقدسة والإقامة في ربوعها حيث انتشرت منازل المستشرقين في الجهة الجنوبية من مينائها. في تلك الحقبة انجز العديد من الرسامين المستشرقين لوحات بانوراميه لمنظر بيروت وجبل لبنان، من ضمنهم ديفيد روبرتس (1796-1864) الذي نصحه لامارتين بزيارة بيروت العام 1842.

يذكر الباحث بدر الحاج في مقدمة كتالوغ المعرض اسماء المصورين الفوتوغرافيين الذين التقطت عدساتهم ملامح بيروت التي أفلت عبر الزمن يقول: “وثقنا في هذا المعرض ما أمكننا من اقتنائه او الحصول عليه من صور شمسية موزعة في مجموعات خاصة او في مكتبات عمومية ومتاحف بالإضافة الى المجموعة الخاصة بمتحف نابو. اعتمدنا أيضا على صور للمستشرق الفرنسي هنري سوفير (1831-1896) التي التقطها في مطلع ستينات القرن التاسع عشر حين خدم في القنصلية الفرنسية بين بيروت ودمشق. تتشابه صور سوفير الى حد بعيد مع الصور التي التقطها لويس فين، لكنها تتميز بكونها التقطت من مواقع مختلفة بحيث قدمت لنا مشاهد كانت مجهولة للمدينة، ولم يبق منها الا صور مثبتة على ورق. ومن المصورين الذين استعنا بصورهم، المستشرق الألماني ماكس فون اوبنهايم (1860-1946) الذي التقط صورا داخل المدينة القديمة في أواخر القرن التاسع عشر، وربما تكون هذه الصور الشاهد الوحيد على تلك المنطقة من بيروت التي جرت إزالتها بشكل شبه كامل في إطار مشروع تركي لتوسيع شوارع بيروت. للأسف، دمر هذا المشروع العديد من المباني الجميلة والشوارع والأزقة. وقد تكون الصور التي التقطها أوبنهايم لمستشفى الكرنتينا وموظفيه، الصور الوحيدة التي التقطت في مرحلة مبكرة من القرن العشرين”.

حاضرة طوبوغرافية
شهدت عمليات تصوير المرفأ تقدما ملموساً في العام 1882 بفضل الحلول التقنية المتطورة في استخدام الالواح الفوتوغرافية ذات الجودة العالية “البلاكات الزجاجية الناشفة ” المغطاة بطبقة من الفضة في التصوير الشمسي عرفت باسم Les plaques sèches dites : au gélatino-bromure d’argent))، وذلك قبل وضع الاخوين أوغست ولويس لوميير تقنيات التصوير بالـ Etiquette Bleu في الأسواق التجارية العالمية العام 1890 وعرفت باسم plan film. لذا أصبحت وسائل التصوير الجديدة في العقد الأخير من القرن التاسع عشر أكثر اقتصاداً وحساسية وملاءمة، لا سيما بعد استبدال جورج ايستمن في العام 1910 الورق (papier support) بشرائح افلام (sans papier support).

ارتبطت صور البحر ارتباطاً وثيقاً بعمليات تشييد مباني منازل الأجانب وبعض قناصل الدول الأجنبية في الجهة الجنوبية من المرفأ، لا سيما بعدما شهد محيطه مخططات توسعة الخانات وبناء الفنادق، كان اكثرها شهرة “اوتيل الشرق” والاوتيل الألماني، أضافة الى تشييد السرايا الصغيرة في ساحة البرج كمركز للجيش العثماني، ومبنى البلدية ومبنى البريد والبرق العثماني (في منطقة خان أنطون بك). جاءت مؤشرات تلك النهضة المعمارية نتيجة تنفيذ مشروع خط السكة الحديد في محاذاة المرفأ وربطه بمحطة القطار الحديدي (بين بيروت والمرافئ الشامية).

هذا ما نلمسه في الصور التي سجلت ذكريات دخول السفن البخارية الى المرفأ بعد شق قناة السويس، مما جعل بيروت مركزاً وسوقاً رئيسياً للمؤسسات والسلع الأجنبية. بعد انتهاء مشروع تطوير المرفأ عام 1894، استأثر محيطه بنشوء عددٍ من المؤسسات الرسمية والخاصة، منها مباني الجمارك ومبنى البنك العثماني ومبنى البريد ومحلات مؤسسة أورزودي بيك التي افتتحت العام 1900 لمناسبة مرور 25 سنة على تولي السلطان عبد الحميد الثاني العرش(1876-1909).

كأن التاريخ يتكلم بلغة الماضي مع الصور الوثائقية التي سجلت وقائع تدشين برج الساعة الحميدية في منطقة الثكن العسكرية العثمانية (السرايا الكبيرة)، التي شيدها المهندس يوسف أفندي أفتيموس في العام 1897 في عهد والي بيروت رشيد بك أفندي. والمعروف ان الساعة التي زينت البرج جُلبت من مصنع الساعاتي الشهير في باريس بول غارنييه، وقامت بلدية بيروت في العام 1900 ببناء السبيل الحميدي في منطقة السور بالقرب من بوابة يعقوب المعروفة اليوم بساحة رياض الصلح، التي جذبت أنظار المصورين الذين تسابقوا لأخذ اللقطات التذكارية بالتصوير الشمسي في ذلك الموقع. ويردد مؤرخو تلك الحقبة ان ساحة السور كانت تنافس حرج بيروت في استقطاب أبناء المدينة لسنوات طويلة، ولا سيما ان ترامواي بيروت الشهير بدأ بالعمل، بعد استخدام الكهرباء في المدينة العام 1908، وكانت حافلاته تمر بالقرب من كنيسة الكبوشية المحاذية لمنطقة باب ادريس.

التحول المديني
يذكر الباحث بدر الحاج في كتابه أسماء العديد من المصورين الأجانب المحترفين الذين زاروا بيروت أو أقاموا فيها، وعرضت بعض أعمالهم في المعرض، أمثال ثيودور وهونوري لوف، تانكراد دوما، اسرة بونفيس (فيليكس، زوجته ليدي، ونجله ادريان)، جان باتيست شارلييه، وجون ليند وسواهم. ويخصص الكتاب فصلاً كاملاً للحديث عن اول من ادخل فن التصوير الى بيروت، لويس صابونجي (1838-1931) الذي علّم شقيقه جورج ذلك الفن، فأسس الأخير استوديوا للتصوير في بيروت اعتبر من اهم مصادر التصوير في الشرق الأدنى.

تكمن أهمية المعرض في تقديم نماذج للقطات فوتوغرافية نادرة من اعمال مصورين أرمن نشطوا واقاموا في بيروت أمثال الاخوة مالكونيان (ديكران، ديران، وملكون) والاخوة صرفيان (ابراهام، بوغوص، وصموئيل)، بالإضافة الى ابراهام غيراغوسيان الذي اشترى أحد أقدم استوديوهات بيروت العائد لأسرة بونفيس. وهناك أيضا نماذج من اعمال الاخوين كوفا (إسكندر وجوزيف) تعود الى أواخر الثمانينات من القرن التاسع عشر.ساهم الاثنان، بتكليف من السلطات العثمانية في توثيق أبرز احداث المدينة ومبانيها الرسمية، ونظراً لجودة اعمالهما وتمايزها، كانا من المؤهلين للمشاركة في معرض فيلادلفيا العالمي 1873 -1878.

يرصد المعرض مظاهر التحول المديني (الثقافي والاجتماعي) الذي عاشته بيروت من خلال باقة صور التقطت للكلية السورية الانجيلية (الجامعة الأميركية في منطقة رأس بيروت) العام 1866، والكلية اليسوعية (جامعة القديس يوسف) العام 1875 ومدارس المقاصد الإسلامية في منطقة الباشورة العام 1878. فالصراع الثقافي والاجتماعي على امتداد التاريخ اللبناني، ما هو الا انعكاس وتنافس يخفي في طياته ابعاداً ثقافية واقتصادية وسياسية. ويلاحظ من معطيات الصور الوثائقية المعروضة في نابو ان الحياة الاقتصادية في بيروت أواخر القرن التاسع عشر كانت تتمثل في مرفئها وفي الأسواق التجارية والمهن والصناعات الحرفية والتنظيمات المهنية (دار الصناعة والفنون في منطقة الصنائع).

التاريخ يعيد نفسه
اللافت في المعرض تخصيص الطبقة العلوية من المتحف لعرض مجموعة صور عائلات ورجال ونساء بيروت في تلك المرحلة وعوائدهم الاجتماعية الافرنجية والشرقية وأصحاب الحرف والصنائع والبائعين المتجولين فضلا عن صور الانتفاضات والاحتفالات الشعبية وصور المشانق التي علقها جمال باشا الجزار للمنتفضين ضد الحكم التركي وصور ضحايا المجاعة التي تعرض لها لبنان اثناء الحرب العالمية الأولى وصور المستشفيات ورجالات الصحافة الذين كانوا رواداً في نشر المعرفة. فقد نهل اللبنانيون من حرية الثقافات المتنوعة مع صدور أول صحيفة في بيروت اصدرها خليل خوري في العام 1858. كما أصدر المعلم بطرس البستاني صحيفة “نفير سوريا” الذي نشر فيها رسائله الوطنية الى اللبنانيين إثر احداث العام 1860: جاء فيها “يا أبناء هذا الوطن، ان الفظائع والمنكرات التي ارتكبها اشقياؤنا هذه السنة كسرت القلوب وأسالت الدموع وعكرت صفو الألفة وأضاعت حق الجوار”.

وكأن التاريخ يعيد نفسه، فالأحداث التي عصفت بلبنان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وساهمت في هجرة اللبنانيين، نراها تعود وتتكرر في أيامنا الراهنة. هذا ما اوضحه جواد عدره مؤسس المتحف عن مدى تشابه احداث الماضي بأحداث اليوم من خلال تناوله مقولة للمبشر والرحالة البروتستانتي وليم طومسون نشرها في كتابه “الأرض والكتاب” الذي صدر في العام 1859 جاء فيها: “لقد لُعنت سورية بتعدد قبائلها واديانها والتي قسمت البلاد الى مكونات صغيرة وشرائح متضاربة وهي الاب المنتج (المثمر) للحرب الاهلية. ان ما كتبه طومسون عن الأراضي المقدسة وجمالها وآثارها يشجي القلب ويدمع العين ويديننا جميعا. لقد تحولت تلك الجبال والصخور في قممنا الى كسارات ومرامل. من السهل ادانة الشعب وتحميله المسؤولية لكنه مكبل زبائنياً وطائفياً. المشكلة ليست في شعبنا المخوّف من قبل زعمائه فقط، بل في الزعماء الرهائن”.