الرئيسية / مقالات / معرض استثنائي عن حياة “بيكاسو” في متحف سرسق رسوم ومنحوتات تعكس تحولات الفنية للرسام الكوني

معرض استثنائي عن حياة “بيكاسو” في متحف سرسق رسوم ومنحوتات تعكس تحولات الفنية للرسام الكوني

في جولة للحضور بعد الإفتتاح. تصوير مروان عساف).

شيء من ملامح ذاتنا الإنسانية او حتى وجودنا الضيق والحميم والعابق باللحظات الخاصة وتشارك الأشياء مع الآخرين، نجدها في معرض “الأسرة وبيكاسو” في متحف سرسق. هذا الحدث الثقافي الضخم في بيروت أصبح حقيقة بدعم كل من سيريل كاروغلان والسيدة دانييل، ارملة ادغار دي بيكسيوتو، إفتتح أمس بدعوة من متحف سرسق، والمتحف الوطني بيكاسو – باريس وتحدث فيه كل من وزير الثقافة محمد داود داود ورئيس مجلس أمناء متحف سرسق طارق متري وسيريل كاروغلان ودانييل دي بيكسيوتو، وهو سابقة ثقافية لوجه لبنان الحضاري ويرفع من قيمة الثقافة كمفهوم مركزي في الأنثروبولوجيا وسلوك اجتماعي ومعيار موجود في المجتمعات البشرية.

مدير المتحف الوطني بيكاسو-باريس لوران لو بون في جولة في المعرض ( تصوير نبيل اسماعيل).

في جولة اعلامية خاصة قبل الافتتاح، نوهت مديرة المتحف زينة عريضة بأهمية المعرض وهو يدرج في إطار التظاهرة الثقافية – الفنية لمشروع “بيكاسو المتوسط”، الذي انطلق في عام 2017 وتتواصل فصول نشاطاته الى نهاية 2019، مشيرة الى انه “يستمر يومياً من الأربعاء الى الأحد من العاشرة قبل الظهر الى السادسة مساء والخميس من الساعة 12،00 ظهراً الى التاسعة مساء”.

الحضور خلال حفل الآفتتاح في

اما مدير المتحف الوطني بيكاسو – باريس لوران لو بون، فتحدث عن بيكاسو الكوني، الذي تخطى بأعماله كل الجنسيات والحدود، مشيراً “الى اهمية هذا المعرض في لبنان”.

الذات … في الفن

الأمومة في فصول اخرى (تصوير نبيل إسماعيل).

في محتويات المعرض، مجموعة خاصة لبيكاسو من عمق ذاته، من ذاتنا، “تستكشف علاقات بيكاسو بالنواة العائلية، بدءاً من الأمومة وصولاً الى الألعاب الطفولية، وبدءاً من صوره الحميمية المفهومية، الى اختبار الأبوة المتعدد الوجوه تحت ضوء الشهرة”، وفقاً لما جاء في مقدمة الكتيب الصادر عن منظمي المعرض.

جمهور امام لوحة ” الفارس الملكي والطفل” من اواخر اعمال بيكاسو قبل وفاته (تصوير مروان عساف).

لم نجد شيئاً من ذاتنا؟ هذا سؤال تسرده محتويات المعرض في صالات المجموعة الدائمة في الطابق الأول من متحف سرسق. الشيء الوحيد الثابت في هذا المعرض ان الرسوم والمحفورات واللوحات الزيتية والمنحوتات تعرض مسيرة الفنان العائلية والعاطفية الطويلة، ومنها حب الأنوثة، صورة الثنائي، والدته وشقيقته، لحظاته الحميمية مع عائلته ومع الآخر وتشاركه معه في كل شيء وصولاً الى رسمه لمواضيع ذات بعد كوني مثل قساوة الحرب…

خُيل إلينا خلال متابعتنا للشرح المسهب من القيمتين على المعرض وهما المؤرخة الفنية ومسؤولة المشاريع في المتحف الوطني لبيكاسو في باريس كاميل فراسكا ورئيسة المجموعات في متحف سرسق ياسمين شمالي، كأننا نتصفح حياة بيكاسو العائلية من خلال مجموعة اعمال تنقسم الى اربع مراحل تعكس فصول الحياة ربما، وهي انطلاقته، فمرحلة الاضطرابات وصولاً الى الالعاب، ثم المرحلة الأخيرة التي جسدها في لوحات كبرى لعائلات خيالية. رأت شمالي أن “عنوان المعرض لا يعني العائلة بمفهومها الكلاسيكي فقط بل يثمن الصلة المترابطة بين البشر”، مشيرة الى انه “يتخذ منحى الرابط العاطفي بكل وجوهه بين مجموعة من الناس”.

لوحة ” الفتاة الصغيرة الحافية القدمين ” عمل لبيكاسو وهو لم يتعد الـ14 ربيعاً (تصوير مروان عساف).

البدايات 

الانطلاقة هي المسار الأول للمعرض، اي بدايات بيكاسو، ذلك الفتى السابق لأوانه، الذي يمتلك عيوناً قاتمة جعلته يبدو في طريقه إلى العظمة. يكفي ان تنظر الى لوحة “الفتاة الصغيرة الحافية القدمين”، التي رسمها وهو في الرابعة عشر من عمره لتدرك كيف بدأ بيكاسو في عبوره الى العظمة. واكدت فراسكا خلال شرحها امام اللوحة المذكورة انها “خضعت لبعض الترميم قبل وضعها في هذا المعرض”، وهي وفق فراسكا “عمل قديم من توقيع بابلو رويز وهو اسم عائلة والده قبل ان يعتمد اسم عائلة والدته ليوقع في المستقبل بابلو رويز بيكاسو”. وشددت على انه “كان يحرص على نقل واقع الناس عبر ريشته، على رغم اننا لا نعرف هوية هذه الفتاة الكئيبة، التي قد تكون من العامة المحكوم عليها ان تطوف في الشوارع وهي حافية القدمين…”. وينتقل، وفقاً لفراسكا، “الى مرحلة كانت تسكن اعماله بعض الأمهات وعائلات عدة في مرحلة كان في التاسعة عشرة عاماً متنقلاً بين باريس وإسبانيا ليعكس احساسه المرهف في تجسيد الناس وعمال السيرك والبهلوانيين …

“رجل وامرأة” (تصوير نبيل اسماعيل).

انتقل أيضاً في هذا المسار الى ذروة عطائه في الأربعين عاماً عندما التقى راقصة البالية اولغا كوخلوفا وانجب منها ابنه باولو. لكن في اللوحة في المعرض، يثير انتباهك شخصان يقرآن رسالة بتأن في حال من التأمل، وهي تعكس مرحلة ادخل بيكاسو نفسه في مرحلة جديدة من التفكير

الاضطرابات هي المسار الثاني للمعرض. تنقلب حياة بيكاسو بلقائه الشابة ماري تيريز والتر، التي كانت مصدر الهام له، واضطراب للثنائي في ظل زواج بيكاسو من اولغا. في الزاوية، هناك منحوتة خشبية صغيرة مدهشة تعكس تدخلاً جسدياً بين كائنين بشريين، فيما عكست منحوتة “جذع امرأة” عام 1931 هاجس شغفه بجسم المرأة وتكاوينه الى ان رزق بيكاسو بطفلته مايا من ماري تيريز.

“المرأة الحامل ” تتوسط أحد أقسام المعرض (تصوير مروان عساف).

وفي هذا الوقت، انغمس بيكاسو في متابعة الوضع السياسي لإسبانيا، وسكنت الحرب اعماله برائعة “غارنيكا” في عام 1937، وهي صورة لعائلة مفككة منهارة جراء الحرب. اما في معرض اليوم، فتبرز لوحة “القبلة” التي هي ورقة ممزقة من صحيفة صادرة عام 1943 رسم بيكاسو فيها بالحبر رجلاً يقارب طفلاً بوحشية…

الألعاب هي المسار الثالث في المعرض. يطوي بيكاسو مرحلة الحرب وذعرها ويفتح صفحة جديدة مع الرسامة فرنسواز جيلو، الذي بنى معها حياة جديدة واقاما معاً في جنوب فرنسا واستقرا في عام 1948. توسعت دائرة العائلة بولادة كلود وبالوما، ما دفع بيكاسو الى الرسم بعفوية وابداع ونوع من الظرافة. وجسدت ريشته ابتكارات فنية للوحات تتضمن العاباً لوالديه وكرر فيها شخصية المرأة الحامل بين 1948 و1951. في هذه المرحلة، يجسد بيكاسو دور رب الأسرة، الرجل المفتون بالأسرة، بيومياته كأب ويوميات أم واطفال، ما جعل اعماله تمتلىء بالمواضيع العائلية ولحظات الترفيه الابداعي …”.

الأمومة ايضًا وايضاً ( تصوير مروان عساف).

في المرحلة الأخيرة من حياته، التقى بيكاسو بجاكلين روك وانتقل اليها بعد انفصاله عن فرنسواز ليدخل مرحلة جديدة واكب الاعلام فيها عظمة فنه. تفرغ لرسم لوحات القماش التي يسلط المعرض الضوء عليها، وتبرز شخصيات منوعة وخيالية رسمها بين العامين 1969 و1972. اللافت أن الامهات اتخذن “شكل سيدات وثنيات يعانقن اطفالهن بإحساس قوي، وتتدرج الحكاية لتصل الى آخر اعماله “الفارس الملكي والطفل” في عام 1972…..

الزوار في المتحف خلال الافتتتاح (تصوير مروان عساف).

Rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel

اضف رد