الرئيسية / home slide / معبد أشمون في لبنان معالم أثرية ونقوش تاريخية تحاكي عصورا من الزمن

معبد أشمون في لبنان معالم أثرية ونقوش تاريخية تحاكي عصورا من الزمن

منذ 51 دقيقة

عبد معروف

تستمر أعمال الحفر في باطن الأرض داخل موقع معبد أشمون الأثري على ضفاف نهر الأولي جنوب العاصمة اللبنانية بيروت، بعد إعلان المديرية العامة للآثار عن اكتشافات جديدة داخل المعبد.
وقد اعتبرت وزارة السياحة اللبنانية أن الاكتشافات الجديدة في معبد أشمون ستضيف لهذا الموقع الأثري الكثير من الرعاية واهتمام المعنيين، رغم الأوضاع العامة وحالة الانهيار التي تشهدها البلاد.
وأسفرت التنقيبات في معبد أشمون عن الكشف عن العديد من القطع الأثرية القيمة، وأهم هذه القطع هي تلك المنقوش عليها كتابات فينيقية توفر معلومات قيمة حول تاريخ الموقع وصيدا القديمة.
وكان لبنان احتفل بحدث ثقافي تراثي هام في موقع معبد أشمون الأثري، تمثل بتدشين مشروع ترميم بقايا فسيفساء المعبد والذي تم إنجازه بهبة من صندوق السفراء الأمريكيين للحفاظ على التراث الثقافي.
ونوهت النائب السابق في البرلمان اللبناني بهية الحريري بإنجاز هكذا مشروع لما فيه أهمية في حفظ التراث الثقافي والإرث التاريخي لمدينة صيدا ولبنان عموما. وقالت إن «هذا المكان التاريخي هو إرث كبير وثروة للمنطقة ومصدر فخر» وأضافت «وفخرنا أكبر أن هناك من اغتنم المناسبة لتأهيل فريق لاكمال عملهم في هذا المجال، هذا الأمر بداية لرصف الموزاييك قطعة قطعة حتى يكتمل العمل» ووعدت بأن «العمل سيتواصل حتى يستطيع أن يأخذ هذا الموقع مكانته ضمن السياحة الدينية والوطنية».
وأضافت: «هذا العمل خطوة مهمة خاصة أن من قاموا بهذا المشروع أصبحوا يستطيعون مواكبة الوفود والشرح لهم عن أهمية الموزاييك والآثار الموجودة، واليوم هو يوم عظيم بالنسبة لنا وللمنطقة وبالنسبة لأن تكون هذه المنطقة على الخريطة السياحية للبنان وللعالم».
وفي إطار الاهتمام اللبناني بموقع معبد أشمون الأثري واستعادة ما نهب من الموقع من قطع أثرية، تسلم لبنان أخيرا، ثلاث قطع أثرية من نيويورك كانت قد سرقت من معبد أشمون بمدينة صيدا الساحلية جنوبي البلاد عام 1981 إبان الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت بين عامي 1975 و1990 وجاءت الاستعادة بفضل تعاون السلطات الأمريكية كما تقول وثائق المديرية العامة للآثار.
ووصلت القطع الأثرية داخل صناديق خشبية إلى قسم الشحن بمطار بيروت الدولي وسط إجراءات أمنية، والقطعة الأولى التي كانت مسروقة عبارة عن قطعة من الرخام معروفة باسم «رأس الثور» عمرها 2400 عام، وقيمتها حوالي مليوني دولار، والقطعة الثانية هي تمثال رخامي نصفي لجسم رجل من دون رأس وأقدام، يحمل بيده اليمنى حيوانا صغيرا، وقدرت قيمته بثمانية ملايين دولار.
وأما القطعة الثالثة فهي تمثال شبه مكتمل لرجل، وقد صادرته السلطات الأمريكية أواخر العام الماضي من منزل لبناني مقيم في نيويورك، وتبلغ قيمته ثلاثمئة ألف دولار. وقال مصدر في وزارة الثقافة اللبنانية إن القطع المستعادة تعرض داخل المتحف الوطني في بيروت.
وكانت وزارة الثقافة اللبنانية بذلت جهودا لاستعادة القطع الأثرية الثلاث المنهوبة، إذ أبلغ متحف متروبوليتان بنيويورك لبنان أن ثريا وضع «رأس الثور» في المتحف على سبيل الإعارة، ثم تنبهت إدارة المتحف إلى أن هذه القطعة موجودة على لائحة الآثار المفقودة من لبنان في العام 2014.

إله الشفاء عند الفينيقيين

يقع معبد أشمون على بعد 3 كيلومترات شمال شرق مدينة صيدا بالقرب من نهر الأولي، في بقعة تعرف ببستان الشيخ. ولقد كان هذا المعبد مخصصًا لعبادة أشمون إله الشفاء عند الفينيقيين.
يتميز هذا الموقع بأنه ما زال يحافظ حتى اليوم على حجارة أساساته، وهو من المواقع الفريدة في لبنان التي حافظت على هيكلها العام وبقعتها الجغرافية.
يتكون حرم المعبد من فناء كبير محدود بحائط مصطبة ضخم مبني بالحجر الكلسي. يدعم هذا الحائط منصة ضخمة كان يقوم فوقها معبد رخامي ذو طراز إغريقي مكرس للإله أشمون. ويتميز الحرم بوجود سلسلة من أحواض المياه التي تغذيها قنوات تجر المياه من نهر اسكليبيوس واسمه الحالي نهر الأولي، ومن الينبوع المقدس المعروف حسب النصوص الفينيقيية بنبع «إدلل». استخدمت هذه المنشآت المائية لأغراض علاجية وتطهيرية وهي ممارسات تميزت بها عبادة أشمون.
وعرف الفينيقيون طقوسًا دينية خاصة، فشيّدوا المعابد الضخمة لآلهتهم لطلب الرحمة والمغفرة، وللشفاء من الأمراض، ومارسزا طقوساً ترتبط بشكل وثيق بثقافتهم ومعتقداتهم، وأبرزها تلك التي كانت تقام في معبد الإله أشمون، إله الشفاء عند الصيدونيين.

مدفن الإله الشاب

وحسب الأسطورة الفينيقية، كما تروي كتب التاريخ، أشمون هو شاب من أصول بيروتية كان يهوى الصيد. وفي أحد الأيام وقعت الإلهة عشتروت في حبه، فلاحقته وضايقته لاستمالة قلبه، ولكن، وللهرب منها قام الشاب بتشويه جسده فمات. لكن عشتروت لم تستسلم للقدر، فأعادت حبيبها إلى الحياة مسبغة عليه خصائص إلاهية. ويُقال أيضاً ان بلدة قبرشمون في جبل لبنان لا تزال تحتفظ بأثار مدفن الإله الشاب، وقصة موته وانبعاثه جعلت منه إلهاً للخصوبة الكونية وللخضرة التي تموت كل عام وتعود إلى الحياة.
وبصفته إله الشفاء، اندمجت شخصية أشمون الفينيقي بشخصية إله الطب الإغريقي الروماني اسكليبيوس. فكلاهما على علاقة وثيقة بالثعابين، التي كانت تُربى في المعابد وتلعب دوراً في شفاء بعض الأمراض. فعُثر على مقربة من معبد أشمون على ورقة من الذهب نُقشت عليها صورة أشمون إله الشفاء وهو يمسك بيده عصاً يلتف حولها ثعبان، وإلى جانبه صورة «إيجيا» إلهة الصحة. لذلك يتم اليوم استعمال صورة الثعبان الملتف حول العصا كرمز للطب تمامًا كالاله أشمون.
ويروى أيضًا أن أصل كلمة أشمون مستمدة من «الزيت» الذي كانت له وظائف علاجية وطقوسية في الشرق الأدنى القديم. لذلك فأشمون هو «الشخص الذي يزيت» أي الشخص الذي يشفي.
وكان أشمون يحتل مركز الصدارة بين آلهة صيدا، ما دفعهم لبناء المعبد في هذا الموقع القريب من نبع ماء، لأن الماء كانت تؤدي دوراً رئيسياً في طقوس الغسل المرتبطة بالشفاء.
كان الموقع مشغولاً منذ القرن السابع قبل الميلاد وحتى القرن الثامن الميلادي، وعلى الرغم من أنه بني في الأصل من قبل ملك صيدا أشمون عازر الثاني في العهد الأخميني (529-333 قبل الميلاد) للاحتفال بثروة المدينة واستعادتها لمكانتها، إلا أن بدعشتارت ويتن الملك والملوك الصيدونيين اللاحقين قاموا بتوسيع مجمع المعبد كثيراً فيما بعد، واستمرت عمليات توسع المعبد لقرون عديدة انتقلت خلالها مدينة صيدا وجوارها من الاستقلال إلى الهيمنة الأجنبية ما جعل المعبد يزخر بكنز من الأنماط المعمارية والزخرفية المختلفة.
معالم أثرية

موقع معبد أشمون الاثري اليوم عبارة عن مجمّع يضم أطلال معالم أثرية عديدة لكل منها خصائصها وعناصرها البنائية كونها بنيت في فترات زمنية مختلفة.
الدخول إلى الموقع يتم عبر الطريق الرومانية الاحتفالية التي تحيط بها الأعمدة الرخامية. فتظهر أطلال بناء هرمي الشكل، يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، أي إلى تلك الفترة التي كانت فيها صيدا خاضعة للنفوذ السياسي والثقافي البابلي. ويمكن الصعود عبر الدرج لرؤية مشهد عام للموقع مع كافة تفاصيله.
وينتشر في الموقع عدد من البرك التي كانت تستخدم لتجميع المياه، لتُستعمل في طقوس الوضوء أو الغسل أو تغطيس المرضى.
إلى جانب المعبد الكبير، يوجد معبد آخر أضيف إلى المجمّع في القرن الثالث قبل الميلاد، ولم يبقَ منه إلا إفريز حُفرت عليه مشاهد طقسية ومشاهد صيد وأخرى تمثل أطفالاً يلعبون. وعلى مقربة منه بقايا مقام مكرّس للإلهة عشتروت. داخل المبنى، هناك شبه مربع يعتبر عرشاً حجرياً يحيط به أسدان مجنّحان يعرف بعرش عشتروت. إلى جانبه يوجد إفريز آخر، حُفرت عليه مشاهد تمثّل رجلاً يسعى لالتقاط ديك كبير، علمًا أن التضحية بالديك كانت من طقوس عبادة أشمون.
وإلى يسار الطريق الاحتفالية الرومانية، يمكنك تأمل الأرضية التي تغطيها الفسيفساء التي تمثل الفصول الأربعة وبقايا الكنيسة البيزنطية التي بنيت في الموقع، وأيضا قاعدتي عمودين محطمتين من الرخام الأبيض تشبهان الدواليب، وهما موجودتان في حقل من الزهور الصفراء، وتبدو الزخارف الأسطوانية محفورة بدقة على القاعدة الأمامية.
أقدم نُصب في موقع معبد أشمون هو عبارة عن هرم يشبه الزقورة، يتضمّن منحدراً للوصول إلى منابع المياه، وقد بني في عهد الحكم البابلي للبنان (في الفترة 605 – 539 ق.م) وزُين المعبد ببركة مبلطة وعرش حجري كبير، نُحت من كتلة واحدة من الغرانيت على النمط المصري.

الأرضيات الفسيفسائية

تعرّض حرم معبد أشمون إلى زلزال في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وكانت تلك أول ضربة تعرّض لها المعبد، وقد تسبب ذلك بتهدّم الهيكل الرخامي الذي يتوّج المنصة. ولم يتم إعادة بناء الهيكل بعد ذلك، لكن أعيد جمع العديد من المصليات والمعابد وضمها إلى حرم المعبد. بقي المعبد مكاناً للحج في العالم القديم حتى ظهور المسيحية، حيث حُظرت عبادة أشمون وبنيت كنيسة مسيحية في موقع المعبد عبر الشارع الروماني. هذا ولا تزال بقايا الأرضيات الفسيفسائية موجودة في الموقع إلى الآن. ضرب زلزال آخر منطقة صيدا حوالي عام 570 ميلادي؛ وقد وصف أنطونيوس البيزنطي (وهو حاجّ إيطالي مسيحي) المدينة آنذاك بأن بعض أجزائها كانت في حالة دمار. وبعد سنوات من اختفاء عبادة أشمون، استُخدم حرم المعبد كمِحجَر. عام 1900 وأثناء حفرهم في موقع معبد أشمون، اكتشف الباحثون عن الكنوز الدفينة نقوشاً منحوتة بشكل عشوائي في جدران المعبد. أثار هذا الاكتشاف اهتمام ثيودور ماكريدي، القيّم على متاحف آثار اسطنبول، الذي قام بإجراء مسح للمعبد ما بين عامي 1901 و 1903.
ويحمل الموقع أهمية خاصة في علم الآثار، ذلك أنه أفضل المواقع الفينيقية المحفوظة في لبنان، وأضيف إلى قائمة اليونسكو الأولية لمواقع التراث العالمي عن الفئة الثقافية في الأول من تموز (يوليو) 1996.
ولكن أثناء الحرب الأهلية عام 1975 والاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982 كان موقع المعبد مهملاً، واختفى تحت غطاء نباتي جرّاء النمو المفرط للغابة في المنطقة.
وقام الباحثون عن الكنوز القديمة بالبحث في محيط معبد أشمون أثناء الحرب الأهلية، ولكن بناءً على طلب من موريس شهاب، المدير العام للآثار في لبنان، قام موريس دوناند بنقل أكثر من 2000 قطعة من صيدا إلى غرفة تحت الأرض في قلعة جبيل، التي تبعد حوالي 30 كيلومترا شمال بيروت. وفي عام 1981 نُهب المستودع وسرقت منه حوالي 600 من القطع الأثرية والمنحوتات، وتم تهريبها إلى خارج البلاد. وفي مؤتمر عقد في بيروت في كانون الأول (ديسمبر) 2009 أكد رولف ستاكي، المدير السابق لمعهد علم الآثار الكلاسيكية في بازل، على نجاح عملية تحديد واستعادة ثمانية تماثيل من الآثار المنهوبة وأعيدت إلى المتحف الوطني اللبناني.

عبد معروف