الرئيسية / home slide / معارك تعطيل سياسية تنذر بتكريس الفراغ… “حزب الله” ينظّم محوره و”التغيير” خارج الاصطفافات

معارك تعطيل سياسية تنذر بتكريس الفراغ… “حزب الله” ينظّم محوره و”التغيير” خارج الاصطفافات

23-05-2022 | 00:20 المصدر: “النهار”

ابراهيم حيدر

الرئيس نبيه بري.

يدخل لبنان في مرحلة سياسية جديدة بعد التحولات التي أحدثتها الانتخابات والنتائج في مختلف الدوائر خصوصاً في الساحتين السنية والمسيحية، وحتى الشيعية، وأثبتت أن ما حدث في البلد منذ انتفاضة 17 تشرين الاول 2019 غيّر الكثير في المجتمع وفي مختلف البيئات الطائفية وإن كانت متفاوتة لجهة كسر الولاءات والأحادية وخلخلة البنى السياسية التقليدية الممسكة بزمام الأمور. ويواجه البلد واللبنانيون عموماً بدءاً من هذا الأسبوع ملفات كبرى لا تقف فقط عند استحقاقات انتخاب رئيس لمجلس النواب وتشكيل حكومة جديدة، بل تتمثل بمواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والهيمنات المستمرّة بقوة الأمر الواقع وقدرتها على فرض مسارات سياسية محدّدة بما فيها التعطيل والسيطرة على مؤسسات الدولة وسياستها، وذلك بالرغم من انتهاء ما يسمّى الأكثرية وخسارة “#حزب الله” وحلفائه، وهو ما يطرح تحدّيات على قوى التغيير، الداخل الجديد على مجلس النواب بكتلة يمكن البناء عليها في خوض معارك الإنقاذ ومواجهة توازنات المحاصصة لقوى النظام الطائفي.

الاستحقاق الأول الذي يواجه لبنان هو انتخاب رئيس لمجلس النواب، وهو الذي يحدّد مسارات سياسية للمرحلة المقبلة، فعلى الرغم من أن انتخابات 2022 لم تكن كسابقاتها من النسخ التي كانت تنتج انقساماً بين محورين في البلد لهما امتدادات خارجية، خصوصاً محور الممانعة الذي يقوده “حزب الله” بقوة سلاحه وتدخلاته الاقليمية، وهو لا يزال قادراً على تعطيل الحكومة والرئاسة وكل الاستحقاقات، بدأت تظهر المخاوف من أن يدخل لبنان في الفراغ والتعطيل، أولاً لإجهاض نتائج الانتخابات التي اختار اللبنانيون فيها التغيير، واستيعاب التحوّل في البيئات الطائفية المختلفة. وهناك محاولات لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه الحياة السياسية، وإن كانت المعارك ستكون أقوى وأشد تأثيراً على البلد كله.

في معركة انتخاب رئيس المجلس، ستكون القوى التغييرية أمام تحدّي بلورة مواقف تحدّد مسار عملها السياسي في المجلس وخارجه، إذ تشير المعلومات إلى ضغوط تستهدف محاصرة القوى التغييرية ووضع الفخاخ أمامها لعدم التأثير في عملية حصر التمثيل عددياً ووفقاً لتمثيل القوى الطائفية، وذلك بصرف النظر عن اسم الرئيس نبيه بري المرشح الوحيد لرئاسة المجلس. والهدف إغراق التغييرين في لعبة الانقسام السياسي الحاد حول العناوين الكبرى التي تختلف عليها القوى وكتلها الممثلة نيابياً اليوم والمرشحة لأن تذهب بالبلد نحو الفراغ ما دام الاختلاف قائماً حول سياسة لبنان والنظام المقبل، ولا اتفاق بين الأفرقاء على كل العناوين.

وبينما يواجه التغييريون أول استحقاق في المجلس، فإنهم يسعون إلى تمييز موقفهم من معركة تخوضها القوى الطائفية بمختلف مكوّناتها بخلفية سياسية متصلة بالصراع السابق، فهي ليست معركتهم المباشرة، وليس من مصلحتهم أن يكونوا ضمن الاصطفافات القائمة. لكن هذا الاستحقاق تخوضه قوى النظام لفرض وقائع وتوازنات مرتبطة بالاستحقاقات المقبلة. فالرئيس نبيه بري يخوض معركته وهو يعرف أن رئيس الجمهورية #ميشال عون يريد إضعافه، فيما القوات اللبنانية أعلنت أنها لن تنتخب رئيساً للمجلس من قوى الممانعة، وهناك قوى سياسية أخرى تضغط من الخارج لمنع بري من الحصول على نسبة عالية من التصويت، خصوصاً النظام السوري الذي يحمّل، وفق مصدر سياسي متابع، نبيه بري جزءاً من المسؤولية عن سقوط رموزه في كل الدوائر الانتخابية وبالتالي منعه من أن يكون له موطئ قدم في مجلس النواب، وإن كان لديه حليف يمتلك فائض قوة عسكرية وسلاحاً مثل “حزب الله”.
المعركة التي سيشهدها مجلس النواب الجديد في جلسة انتخاب رئيسه ستكون بين قوى متناقضة وأيضاً من محور واحد، وهذا الصراع سيحدد طبيعة التحالفات وصراع الاستحقاقات المقبلة. وقد كان واضحاً الخلاف بين التيار الوطني الحر وحركة أمل، إذ إن الرئيس بري يعتبر أن التيار العوني يريد إخراجه، وهو صراع له امتدادات وتاريخ يعود إلى مرحلة انتخاب ميشال عون رئيساً. وعلى هذا يقول المصدر السياسي إن بري الذي ترشح للانتخابات ترشح أساساً لرئاسة المجلس وخاض معركته على هذا الأساس، ويعتبرها مصيرية، فلن يقبل بالخروج فيما ميشال عون يستمر رئيساً للجمهورية. وبينما لا يبدو أن التيار العوني برئاسة جبران باسيل قادر على تشكيل كتلة وازنة تستطيع إسقاط بري، فإن إعادة انتخابه ستفتح على معركة كبيرة مع التيار العوني ورئاسة الجمهورية، وهي ستنعكس على تحالف الممانعة الذي فقد الأكثرية أصلاً بقيادة “حزب الله”، وتدخل البلد في الفراغ والتعطيل المستمر للمؤسسات.

سيسعى نبيه بري للفوز برئاسة المجلس في الدورة الاولى، أو بأكثرية معقولة بعدما تأكد أن وليد جنبلاط سيعطيه أصوات كتلة نواب الحزب التقدمي الاشتراكي وحلفائه، وهو موقف كان متوقعاً لأسباب ترتبط بالعلاقة التاريخية بين الرجلين، لكن “حزب الله” الذي يعمل على تقريب المسافات والتوازنات بين قوى محوره، سيبقى يدير اللعبة من خلال فائض قوته وهيمنته، وإن كان يدعم بري إلى النهاية لأسباب ترتبط بالوضع الشيعي، وكي لا تتفكك تحالفاته في المعارك السياسية المقبلة، وهو يمارس سياسة الترغيب والاحتواء وأيضاً الترهيب، فيدعو الأمين العام للحزب حسن نصرالله إلى الشراكة في غياب الأكثرية ووضع ملف السلاح جانباً، فيما يطلق كل من النائب محمد رعد وحسن فضل الله تهديدات بالجملة ضد القوى على المقلب الآخر وأيضاً ضد قوى التغيير لمنعها من طرح قضايا كبرى وإغراقها في الصراعات الداخلية لشرذمتها وإبقائها عاجزة داخل المجلس كما خارجه، وقطع الطريق أمامها لفرض دينامية جديدة ورؤية مختلفة للعمل البرلماني والسياسي أيضاً بالعلاقة مع الناس وقضاياهم.

الأمر لا يرتبط فقط بانتخاب رئيس للمجلس، فالمعارك السياسية ستكون على أشدّها حول الحكومة ومختلف الملفات وصولاً إلى استحقاق رئاسة الجمهورية، ما يطرح على القوى التغييرية تحدّي القدرة على تمييز نفسها عن الاصطفافات وعدم الدخول في معارك وتصعيد يصنفها مع طرف ضد آخر، وأولها مسألة انتخاب نبيه بري. لذا لن يكون سهلاً للتغييريين أن يقارعوا السلطة وقواها في عقر دارهما، خصوصاً بعد التهديدات ضدهم، لكن يمكنهم أن يؤسّسوا مساراً واضحاً في الممارسة السياسية يستمدّ قوته من الحصانة الشعبية التي ولّدتها انتفاضة 17 تشرين ضد الفساد ولإعادة بناء الدولة ووقف الانحدار ومحاولات أخذ البلد الى الفراغ القاتل.


ibrahim.haidar@annahar.com.lb
Twitter: @ihaidar62