معارك الفساد هل تحجب النظر عن واقع خطورة الوضع المالي؟

إذا كانت مسألة الـ11 مليار دولار والحسابات المالية قد شكلت الخلفية المالية لتفجر المواجهة بين “حزب الله” وبين الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة، ومَن يمثله كفريق سياسي خاض منذ بداية التسعينات المشروع الاقتصادي القائم في البلاد، فإن الخلفية الحقيقية لهذه المواجهة تستهدف، كما بات واضحا، المشروع في حد ذاته، بعدما أيقن الحزب ان دخوله على خط الشركة في الشأنين الاقتصادي والمالي يتطلب منه الانتقال من مرحلة انتقاد المشروع الى مرحلة اسقاطه، وقد اصبح قادرا على ذلك بعدما بات في موقع الممسك بالغالبية الحكومية والنيابية على السواء.

من فتح ملف المليارات الـ11 على لسان الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله، مرورا باتهامات النائب في كتلة “الوفاء للمقاومة” المكلف من الحزب ملف مكافحة الفساد حسن فضل الله، وصولا الى التصويب على زيارة المبعوث الفرنسي المكلف متابعة تنفيذ مقررات مؤتمر “سيدر”، يبدو واضحا ان الملف المالي خرج عن المسار الذي التزمته الحكومة في بيانها الوزاري، وبدأ يسلك مسارات سياسية خطيرة سيكون لها انعكاساتها السلبية على الوضع المالي في البلاد.

ففي حين أبرزت حكومة “الى العمل” اهتمامها في الدرجة الاولى بالملف المالي والاقتصادي، تمهيدا لاقرار رزمة الإجراءات والقوانين التي لا تزال عالقة وتحول دون تقدم مسار تنفيذ مقررات “سيدر”، فيما يواكب المجلس النيابي ورشة التشريعات المطلوبة من خلال التوجه الى عقد جلسات تشريعية عامة، ثمة انطباع بدأ يتبلور في الاوساط السياسية المراقبة مفاده ان كلفة السير بهذا الطريق سيدفعها رئيس الحكومة سعد الحريري الذي يتعرض منذ الجلسة الاولى لحكومته لسلسلة من الضغوط إما من خلال آلية إدارة جلسات مجلس الوزراء التي احتكر فيها رئيس الجمهورية القرار، وإما من خلال استهداف رئيس كتلته السابق فؤاد السنيورة مع التهديد بفتح الملف المالي على مصراعيه.

ويحرص الحريري في المقابل على عدم الانزلاق الى المواجهة. فهو، وبعد الجلسة الحكومية الاولى وما ترتب عنها من امتعاض حيال استئثار رئيس الجمهورية بصلاحيات رئيس الحكومة في إدارة الجلسة، دعا الى عدم اللعب على وتر الخلاف بينه وبين الرئيس، ساعياً الى تأكيد حرصه على حسن العلاقة بين الرئاستين الاولى والثالثة. اما في شأن الحسابات المالية، فقد عكس شكل المؤتمر الصحافي للسنيورة ومضمونه تضامن فريقه السياسي معه.

ولكن الى اي حد سينجح الحريري في لعب دور الاطفائي كلما تفجرت أزمة، ومؤشرات العمل السياسي تدل على ان الطريق الحكومي محفوف بالألغام، والى اين يستعد “حزب الله” في الوصول بمعركته ضد الفساد؟ وهل يتوقف عند حدود “بليس” و”بيت الوسط” متجاهلاً الاتهامات التي يسوقها ضده الفريق الآخر بالفساد، وقد فنّدها السنيورة في مؤتمره الصحافي؟

مصادر نيابية متابعة لا تخفي قلقها من التصعيد السياسي الحاصل على خلفية تسجيل مبارزات في مسألة الفساد في بلد تغرق كل قواه السياسية فيها. وتكشف ان ثمة الكثير من المخالفات والمغالطات المرتكَبة مدى الأعوام الماضية في ظل وضع حكومي ونيابي غير سليم، بفعل عدم وجود حكومة. وتعطي مثالا ما واجهته الجلسة التشريعية الاخيرة حيث تم استرجاع مشاريع عقود بسلف خزينة أُقرت في غياب الحكومة، ما يجعل اقرارها في البرلمان مخالفا. والمفارقة انها تعود الى سلف خزينة معقودة منذ ايام حكومة الرئيس تمام سلام (بقيمة 500 مليون دولار)، وقد جرى عرضها على سبيل التسوية. وفي هذا السياق، تكشف المصادر عن وجود 44 مشروع قانون عالقاً.

وتتوقف المصادر عند ما هو اخطر من ذلك، وهو الوضع المالي الذي لا يزال على حاله من الخطورة والتفاقم، مشيرة الى ان تأليف الحكومة ساعد في تخفيف الأجواء المتشنجة وحملات التهويل، لكنه لم يضع حدا لأزمة مستفحلة وتحتاج الى تضافر كل الجهود والمساعي لاحتوائها ومعالجتها.

ولا تخفي المصادر قلقها من ان تحجب الحملات المستعرة شمالا ويمينا في ملفات الفساد النظر عن الوضع المالي، وتحرف الانتباه عن الحاجة الفورية الى معالجته، خصوصا ان الامور لا تتحمل ترف تضييع الوقت في المهاترات السياسية التي لن تصل في نهاية المطاف الى مكان.

وتلفت الى ان رئيس المجلس نبيه بري يرفض تحويل البرلمان الى ساحة مفتوحة للمواجهة، مشيرة الى انه من هذا المنطلق، يرفض الدخول في سجال ذي طابع طائفي يدخل المجلس في الاشتباك السياسي بما يعطل إنتاجيته في هذه المرحلة التي يفترض فيها ان يواكب الحكومة في انطلاقتها. من هنا، دعوته الى تشكيل المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء بحيث تسلك الملفات مسارها القضائي والدستوري.

sabine.oueiss@annahar.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*