الرئيسية / home slide / معارك العهد “العونية” وتغطية “حزب الله” الخلفية… ارتداد عن الشراكة وإسقاط للتسويات والحكومة!

معارك العهد “العونية” وتغطية “حزب الله” الخلفية… ارتداد عن الشراكة وإسقاط للتسويات والحكومة!

18-04-2021 | 16:41 المصدر: “النهار”

ابراهيم حيدر

ركام انفجار آب في بيروت (نبيل اسماعيل).

الصورة التي ظهرت خلال الأسبوعين الماضيين من فتح ملفات وشهرها وخوض معارك سياسية بين القوى السياسية والطائفية في البلد، تشير إلى حقائق بدأت ترتسم للمرحلة المقبلة، أبرزها أن لا حكومة في وقت قريب، وثانياً استمرار الانهيار الذي يستفيد منه البعض لتركيز مزيد من الهيمنة على مناطقه واختراق بيئات طائفية أخرى، ثم تراجع شعار التسوية والشراكة بين المكونات اللبنانية، فيما يذهب العهد أكثر، وهنا نقصد ال#عونية، نحو التمركز أكثر كطرف سياسي وطائفي في مواجهة الآخرين من دون أن يتمكن من استعادة المبادرة السياسية في الداخل طالما اختار أسلوب الصدام باندفاعة سلطوية معززة بدعم خلفي من “#حزب الله” لا تؤدي إلى التسوية بل إلى مزيد من التفكك وانهيار مقومات لبنان.

لم يعد رئيس الجمهورية ميشال عون يتحدث عن #الحكومة وتشكيلها، وكأنها أصبحت ملفاً من الماضي. شهر عون أخيراً ملف ترسيم الحدود البحرية بعد تركيزه على “التدقيق الجنائي” ووضع ملف التشكيل جانباً وأهمل أي نقاش في هذا الموضوع الرئيسي لاستعادة الحد الادنى من معالم الدولة والمؤسسات والسير في الانقاذ والاصلاحات، لا بل إنه حسم وفق سياسي متابع برفضه لسعد #الحريري رئيساً مكلفاً، إلى حد أنه بحث عن ثغرات للتسلل منها وإخراج الحريري من هذا الموقع، وبعد عجزه عن إيجاد بدائل بصيغة دستورية، بدأ هجوماً مضاداً على خصومه ظاناً أنه يستعيد من خلاله المبادرة من خلال اللعب على موضوع الصلاحيات الدستورية، فإذا كان ما سُحب منها غير ممكن استعادته، لا بأس عندئذ بتجاوزه من خلال الأمر الواقع والتمسك بأعراف وتقاليد تكرست خلال السنوات السابقة وتسلّح بها لفتح ملفات في معركته المفتوحة لاستعادة بعض الرصيد الذي فقده في سيرته التي ذكّر بها تحت عنوان النضال المستمر لاستعادة السيادة والاصلاح.

إرتد عون إلى سيرته السابقة، مذكراً بتاريخه النضالي، وهو في الأساس مارس السياسة من موقعه الرئاسي بصيغة فئوية، اي أنه تصرف كطرف خلال السنوات الماضية من العهد، وليس كحكم يدير التناقضات ويطلق المبادرات للتسوية، فكان العهد صدامياً من هذه الخلفية كطرف وليس من موقع الوطنية العامة. هذا الامر يفسره السياسي المتابع من طبيعة التركيبة اللبنانية وما حل بها منذ عام 2005 في سياق الصراع الطائفي الداخلي وامتداداته بين المحاور الإقليمية، حتى عند انتخابات الرئاسة عام 2016 كان الإسم الوحيد المطروح للرئاسة هو ميشال عون بعد تعطيل البلد لسنتين وإحداث فراغ في المؤسسات وفي الحكومة. ويُدرك انه لا يستطيع أن أن يحقق السيطرة المطلقة في الحكم ولا يمكنه أيضاً السير الى ما لا نهاية بالكسر الطائفي تحت عنوان استعادة الصلاحيات متسلحاً بدعم وتناغم مع الطرف الأقوى اليوم “حزب الله” الذي يفكر هو الآخر بطريقة مختلفة، أي اختراق البيئات الطائفية من دون الصدام معها مباشرة، لذا لا يمكن لعون أن يكون الرئيس القوي في البنية اللبنانية استناداً الى هذه السياسة، والدليل أن استعادة شعاريته النضالية منذ 1989 تؤسس لصدام مع المكونات الاخرى، فيما تجربته كانت كلها إخفاقات وانتكاسات، تماماً كما يحدث اليوم في موقعه الرئاسي الذي لم يحقق انجازات وطنية فيما البلد ينزلق إلى الانهيار الشامل.

الأزمة اليوم بلغت ذروتها لدى العهد بالدرجة الاولى، وأيضاً لدى المكونات السياسية والطائفية الاخرى. الدليل على ذلك، أن الرئيس ميشال عون بتاريخه السياسي والنضالي والطائفي لا يسير باتجاه تأسيس أجواء توافقية أو تسووية، ولم يتأسس نهجه على صناعة الشراكة، وهو ما يحدث اليوم، وإن كان الجميع يتحمل مسؤولية ما آل إليه الوضع اللبناني من فوضى وانهيار. يدل ذلك أن التمركز في السلطة أو في موقع الرئاسة الأولى لا يمكن أن يستند في البنية اللبنانية وفي تركيبتها إلى قوة حزبية لأنها تذهب إلى التسلط والإقصاء، وتؤدي إلى الاصطفاف في المواقع الاخرى، وهذا ما يحدث حالياً في الحزبية العونية التي تعبر عن مواقف الرئيس وتندمج معه في المعارك التي يخوضها ضد الخصوم، وهم قسم من الطوائف ومن القوى التي لها مصالح في هذه البنية التي وصلت إلى حافة الهاوية. وهذه المعارك لا تؤدي ولا تحظى بثقة وطنية عامة.

وفق هذه المعادلة شهر عون سيفه في ملف الترسيم، واستعاد معه شعارات السيادة في وجه إسرائيل، فيما كان عنوانه السابق مواجهة “الاحتلال السوري”، فظهر الأمر في ملف ترسيم الحدود البحرية، متسلحاً بضرورة نيل المرسوم إقراراً من الحكومة مجتمعة، وهو في ممارسته لا يمكن إلا أن يكون وضع “حزب الله” في خلفية موقفه، فالشعار النضالي الجديد لعون والسيادي يتناغم مع وجهة “حزب الله” المتسلح بالصمت حالياً، وبالنسبة إليه إذا وقّع الرئيس على المرسوم يعلن دعمه دفاعاً عن حقوق لبنان ومساحته البحرية، وإذا لم يوقع أو يُقر يركز على المفاوضات، ويبقى متمسكاً بدوره ويتحرك وفق ما تقتضيه الحاجة في الصراع ضمن حساباته الداخلية والإقليمية.

المعارك التي يخوضها عون، تحظى بتفهم من “حزب الله” ورعاية وتغطية في أحيان كثيرة. ومنها يقول السياسي المتابع يتفرع ملف الحكومة الذي وضع جانباً، فـ”الحزب” يدعم رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر ولا يكسر موقفهما، وان كان لا يعترض على سعد الحريري كرئيس مكلف للحكومة. ومن خلال صمته يعيد “حزب الله” ترتيب أوضاعه الداخلية ومحاولة تحصين بيئته لا بل اختراق البيئات الاخرى، وهو مرتاح على وضعه، خصوصاً وأن الأميركيين سلطوا الضوء من خلال ديفيد هيل على سلاحه، من دون الإشارة الى مشاركته في الحكومة. لكن ميشال عون و”الحزب” يعرفان أن اي حكومة ستتشكل وان كانت مؤجلة، لن تنال المساعدات من دون حسم جملة أمور، لا تتعلق فقط بالإصلاح إنما حسم ملف الحدود البحرية وتعزيز دور اليونيفل والاستقرار في الجنوب، وضبط الحدود اللبنانية السورية. وهنا يمكن فهم موقف “حزب الله” من عدم توقيع عون لمرسوم تعديل الحدود البحرية. لكن ما نشهده اليوم هو مزيد من الخسائر تنال من البلد واستقراره، ومن الشراكة والصيغة واستمرار الكيان.
ibrahim.haidar@annahar.com.lb
Twitter: @ihaidar62