الرئيسية / home slide / مظفّر النوّاب غاب وهو يقول: كل الذين رحلتُ على مائهم خذلوا قاربي (1934-2022)

مظفّر النوّاب غاب وهو يقول: كل الذين رحلتُ على مائهم خذلوا قاربي (1934-2022)

24-05-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”سليمان بختي

الشاعر الراحل مظفر النواب.

رفع الشاعر العراقي مظفر النواب (1934-2022) الحجاب عن كل جرأة ممكنة في التعامل مع الوضع السياسي العربي ليشكل تاليا حضورا صاخبا في الضمير العربي. لعله الأول بين ال#شعراء العرب الذي تداولت قصائده على أشرطة كاسيت وكان يجود ويجوّد في استمطار شآبيب اللعنة على كل من كان سببا في ما نحن فيه وإليه. في سيرته وتاريخه أنه أوصل القصيدة إلى رتبة المنشور السياسي المحظور والملاحق قانونيا.

ولد مظفر عبد المجيد أحمد حسن النواب في الكرخ- بغداد 1934. يتحدر من عائلة يعود نسبها إلى الإمام موسى الكاظم. إستقرت العائلة في بغداد ثم هاجرت إلى الهند وهناك أصبح أسلافه حكاما في المقاطعات الشمالية الهندية. وبعدما قمعت قوات الإحتلال البريطانية الثورة الهندية الوطنية اختار أجداده مرغمين العودة إلى العراق. نشأ مظفر في عائلة إريستوقراطية تهتم بالموسيقى والغناء والأدب. بدأ ينشر قصائده هو في المرحلة الدراسية الأولى. شغفه بالأدب جعله يكمل دراسته في كلية الآداب في بغداد. تعرض والده لأزمة مالية أفقدته كل شيء. بعد قيام نظام الجمهورية في العراق عيِّن مفتشا تربويا في بغداد. لكنه إضطر للهرب إثر الإنقلاب عام 1963 عبر إيران بعدما كتب: “من هرّب ذلك النهر المتجوسق بالنخل على الأهواز؟ أجيبوا… فالنخلة أرض عربية”. اعتقل في إيران وعذّبه جهاز الأمن (السافاك) قبل أن ينجح في الهرب إلى روسيا. وكتب عن تلك الفترة: “في طهران وقفت أمام الغول تناوبني بالسوط… وبالأحذية الضحمة عشرة جلادين…. قاومت الإستعمار فشرّدني وطني”.

في عام 1963 سلمته إيران إلى الحكومة العراقية ليُحكم عليه بالإعادم إلا أن تدخل عائلته خفف الحكم الى السجن المؤبد في السجن الصحراوي الشهير “نقرة السلمان”. نقل لاحقا الى سجن الحلة. لكنه تمكن مع رفاقه من حفر خندق تحت الزنزانة ولاذوا بالفرار. توارى في بغداد وفي الأهوار حتى صدر عفو عام فعاد إلى التعليم. لكن الأرض في العراق لا تستقر ولا تستكين، فقرر الرحيل الى بيروت، ومنها الى مصر وأريتريا وليبيا وسوريا واليونان والجزائر وظفار. وعندما قررت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش غزو العراق كتب: “أنا ضد إحتلال العراق مهما كانت الأسباب والدوافع”.

عاش مظفر النواب الشاعر والمغنّي والرسّام والكاتب المسرحي على ريح من القلق وكان مستهدفا من الحكومات العراقية ومطلوبا من غالبية الحكومات العربية. ارتبط شعره بقضية العرب القومية الأولى فلسطين وصنعت له قصيدته “القدس عروس عروبتكم” شهرة في كل ناحية عربية. كان يصر على أن يقرأها كاملة في كل مهرجان شعر عربي، وإلا فلا. علما أنه أضاف عليها عبارة “لا أستثني أحدا”، وذلك عندما قرأها في دمشق بداية السبعينات في حضور الأمين العام لحزب البعث عبدالله الأحمر الذي وقف يصفق له فارتجل مظفّر النواب تلك العبارة (لا أستثني أحدا) مباشرة على المنبر. من مؤلفاته: “الريل وحمد” الذي اعتبره سعدي يوسف زهرة نادرة في بستان شعرنا العربي، و”يوميات المنفى الأخير” 1983. والحال هو شاعر قصائد أكثر منه شاعر دواوين، ومن قصائده “قمم” و”وتريات ليلية” و”بنفسج الضباب” و”عروس السفائن” و”بكائية على صدر الوطن” و”قصيدة من بيروت”.

لم يحظ النواب بدراسات نقدية لشعره فقد صنِّف في المجال السياسي المباشر وفي نطاق الشعر الجماهيري. لكن لقطاته الشعرية الجميلة تطل من القصائد وتشهد له: “يا وطني وكأنك في غربة/ وكأنك تبحث في قلبي/ عن وطن أنت ليأويك/ نحن الإثنان بلا وطن يا قلبي”، أو حين يرهف قلبه بغزلية للآخر: “لا شيء سوى الريح/ وحبات من الثلج على القلب/ وحزن مثل أسواق العراق” آه من يشتريني بقليل من زوايا عينها؟/ تعرف تنويني.. وشداتي.. وضمي.. وجموعي”.

كان مظفر النواب أحد الشهود الكبار على الزمن العربي الصعب. احترف التنقل من مكان إلى مكان يحمل الأسى والشوق والمرض والضنى. كأن كل هذا الألم يتفتح شعرا أو يفيض كما نقطة الماء في الكأس. كانت جرأته تداوي ألمه وكان صوته يعلو وينخفض مثل الريح التي تزلزل الحياة العربية. بقي مظفر النواب نحو نصف قرن شريد المنافي. كتب غير مرة: “وقنعت أن يكون نصيبي من الدنيا كنصيب الطير، لكن سبحانك حتى الطير لها أوطان وتعود إليها، وأنا ما زلت أطير”.

ربما كان الشاعر الأكثر جماهيرية في دنيا العرب ولكنه كان بلا مكان رغم أنه سعى لأن يصل إلى البصرة لكن الموت سبقه وقطع عليه طريق الوصول. كتب في إحدى قصائده: “أحمل كل البحر واوصل نفسي/ أو تأتي البصرة إن شاء الله/ بحكم العشق وأوصلها”.

أغمض مظفر النواب عينيه وهو يردد: “متعبٌ مني/ ولا أقوى على حملي”. ولم يصل. مشى في كل الديار العربية ولم يصل. بحث عن القصيدة والوطن وكان يصل ولا يصل. كأن الشعر صرخة قهر ووجع وارتحال ولا وصول.