الرئيسية / home slide / مظفر النواب بين العذوبة والبيان السياسي

مظفر النواب بين العذوبة والبيان السياسي

 صبحي حديدي
القدس العربي
20052022 

في مطلع سبعينيات القرن الماضي كانت جامعة دمشق مرجلاً يغلي بعشرات الأحزاب السياسية والاتجاهات الفكرية والتيارات الجمالية، ذات صبغة يسارية غالبة، التي سوف تتراجع تدريجياً بتأثير قبضة القمع التي كان حافظ الأسد قد أرخى معاييرها بعد انقلابه في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 1970، وعاد سريعاً إلى تشديدها بمستويات فاشية غير مسبوقة. ولم يكن السوريون وحدهم صنّاع ذلك الغليان، بل شارك في تغذيته طلاب من ظفار والبحرين وتونس والمغرب والجزائر وفلسطين والأردن والعراق، وموئل الحراك هذا كان مدرّج كلية الهندسة، وعلى منبره تربّع مظفر النوّاب: شاعر يكتب، بالعامية العراقية، قصيدة حبّ بالغة العذوبة وقصيدة بيان كفاحي نارية الرسائل؛ والشاعر ذاته الذي يكتب، بالفصحى، قصيدة الخطاب والتحريض والدعوى.
كنا نتدافع، بالمعنى الحرفي للكلمة، لحضور أمسياته الشعرية، حيث يُشتم الزناة من الحكّام العرب الذين أدخلوا القدس إلى قيعان الاغتصاب، ثمّ تنافخوا شرفاً، أو حيث تتبرأ أمّ من ولدها وأخت من شقيقها لأنه رضي توقيع البراءة، فكيف حين يأخذنا «أبو عادل» إلى ريل يصيح بقهر صيحة عشق غير بعيد عن «دكّ كهوة» وشميم «ريحة هيل»… شخصياً يصعب أن تفارق ذاكرتي أمسية قرأ فيها النواب قصيدته «صرّة الفقراء ذات اللون الأزرق الموغل» التي ترثي الفدائي الفلسطيني أبو مشهور؛ وكيف كان الشاعر لا يُقاطَع بالتصفيق والتهليل فقط، بل بالسجالات بين مستمعيه حول ما أتت به قصيدته من هجاء مرير لخيارات المقاومة الفلسطينية يومذاك. كان النواب يقول: «أدين بموتك أزياء التهريج وقاعات المؤتمرات وعرض النظريات الأزياء/ أدين بموتك عهر الشارع يقرأ فاتحة حين تمرّ جنازات الشهداء»؛ فتتدخل القاعة بين موافق متحمس ومعترض متحفظ، ولا يتوانى النواب عن صبّ الزيت على النار، فيتابع: «مَن كان مع الدولة فليرفع ياقته/ مَن كان مع الثورة فليرفع كفّيه، أكفّ الثورة أعلام…».
ولعلّ ذلك الجانب في شخصية النوّاب، وأقصد الشاعر وليس صاحب الخيارات السياسية، كان الأشدّ إشكالية من وجهة نظري شخصياً، ومن زاوية خاصة محددة هي مقدار ما ألحق من أذى بقصيدة شاعر كبير رفيع الأدوات وعالي المراس وفائق الحساسية. وليس من دليل أفضل على هذه الخلاصة سوى اضطرار الشاعر، لأسباب سياسية أو ظرفية أو جمالية أو هذه كلها معاً، إلى مراجعة نصوصه واستبدال صياغاتها وتهذيب خشونتها؛ كما في تعديل «أدين بموتك عهر الشارع يقرأ فاتحة حين تمرّ جنازات الشهداء» لتصبح: «أدين بموتك عهر الشارع/ يقرأ فاتحة وتثاؤبتين على الشهداء» على ما في التعديل من تبخيس لديناميات الأصل.
وفي العموم لست أخفي انحيازي إلى النوّاب الشاعر الكبير بالعامية العراقية، أكثر من ذاك الشاعر الداعية بالفصحى؛ ليس لأنّ مقتضيات الخيار الأخير ساقت الراحل إلى تنازلات هنا وهناك، بين النظام السوري والنظام الليبي، أو بين هذا أو ذاك من أحزاب اليسار العربي، فحسب؛ بل كذلك، وجوهرياً، لأنّ شعرية النوّاب كانت أرقى تفتحاً وانفتاحاً على مكنون القصيدة المحكية، وأشدّ مرونة في الانعتاق من اشتراطات الوزن والقافية والنبرة الخطابية، وأسلس إيصالاً للموضوعات الكبرى التي صنعت بصمة الراحل وأدنت قصيدته من ذائقة عريضة: عراقية أوّلاً، كانت في أمسّ الحاجة إلى تخفّف رقيق من تراجيديا عتيقة ملازمة؛ وعربية، تالياً، لأنّ غنائية النوّاب الطافحة كانت تربط الذاكرة بشاعر عراقي كبير آخر هو بدر شاكر السياب، و»حَدْر السنابل كَطه» عنده في الأهوار كانت تفتح شناشيل ابنة الشلبي عند مواطنه في البصرة.

كاتب سوري