تعود الأهمية العالمية لما يحصل في فرنسا لأسباب متعددة، أهمها أن السلطات الفرنسية هي الأولى التي وضعت خريطة طريق متقدمة وثورية نسبياً (بالنسبة لإجراءات غيرها من الدول) لمحاربة تغيّر المناخ العالمي والتخفيف من الانبعاثات المسبّبة بتغيّر المناخ عبر وضع ضريبة على الكربون، ورفع أسعار المحروقات (لا سيما الديزل والبنزين) وتشجيع النقل العام والسيارات الكهربائية… ومن الضرورة بمكان مراقبة مآل الاحتجاجات الشعبية لمعرفة كيفية تقييم مسار المفاوضات المناخية وكيفية ترجمة الدول لتعهداتها والالتزامات المحددة وطنياً لكافة الدول لخفض انبعاثاتها بعد تغيير سياساتها، لا سيما في قطاعي الطاقة والنقل. ويمكن اعتبار ما يحصل في فرنسا منذ أسبوعين مؤشراً ونموذجاً لما يمكن أن يحصل في العالم، في حال أراد أن ينقذ الكوكب من تغيّرات مناخية خطرة مهددة لكل مكتسبات الحضارة التي نعرفها.
أهمية تقييم الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الفرنسية لخفض الانبعاثات تعادل أيضاً أهمية تقييم الحركات المناهضة لها أيضاً. فجماعات «السترات الصفراء» التي تقود التظاهرات في كل أنحاء فرنسا، هي مجموعات جديدة وخارج الأحزاب التقليدية من يمين ويسار متطرف وغير متطرف. مما يوحي أن هناك شيئاً جديداً تماماً يتشكّل في العالم غير معروف المعالم بعد، يتحرك بأدوات وخطابات ووسائل تواصل جديدة، بعقلية جديدة – قديمة من الناحية المطلبية.
في الواقع يمكن اختصار الإجراءات الحكومية الفرنسية بأنها أخذت على محمل الجد الدوافع التي أملت الوصول إلى اتفاقية باريس المناخية منذ ثلاث سنوات. هذه الدوافع تقول إن عدم أخذ هذه الإجراءات يعني «نهاية العالم» الذي نعرفه ونعيشه. في حين أن ملخص موقف المحتجين معاكس تماماً وينطلق من البحث عن مصير «نهاية الشهر» وليس مصير نهاية العالم، كون هذه الإجراءات تتسبب بتراجع القدرة الشرائية والمداخيل… إضافة إلى ارتفاع أسعار السلع مع ارتفاع أسعار النفط واستنزاف القدرة الشرائية للمستهلكين.
هكذا يمكن أن نفهم موقف وزير البيئة والطاقة الانتقالية المستقيل نيكولا هيلو الذي خرج عن صمته أمس كاشفاً أنه كان ينوي تطبيق الإجراءات نفسها ولكن مع الأخذ في الاعتبار الجانب الاجتماعي من المسألة، مما يمكن أن يعني إعادة النظر بالنظام الضرائبي لجعله أكثر عدلاً عبر وضع الضريبة على كبار الصناعيين والشركات بدل الضريبة المباشرة على الأسر، لا سيما الفقيرة منها. وهذا ما كان يفترض نقاشه بعناية قبل الإسراع في وضع الضرائب التقليدية على الوقود.
في الحقيقة كانت فرنسا (على المستوى الرسمي) متحمسة منذ ثلاث سنوات لكي تظهر أمام العالم أنها يمكن أن تشكّل نموذجاً لدولة متقدمة ومنخفضة الكربون في آن، بسبب اتكالها أكثر من غيرها على الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء، بنسبة 75%، وهي النسبة الأعلى عالمياً على اعتبار أن الطاقة النووية لا تتسبب بانبعاثات كبيرة تساهم في تغيّر المناخ مثل الفحم والمشتقات النفطية. مع العلم أن مشكلة هذه الطاقة هي في نفاياتها النووية المشعة التي يمكن أن تبقى حية وفاعلة آلاف السنين، وأنها لم تجد مطمراً نهائياً لها بعد في العالم، إضافة إلى أخطار حصول حوادث نووية أسوة بما حصل في فوكوشيما اليابانية مؤخراً. لذلك تعهدت فرنسا أيضاً في خريطة طريقها الطاقوية أن تخفض أيضاً من اعتمادها على الطاقة النووية من نسبة 75% إلى 50% بحلول عام 2030 مع إقفال 16 مفاعلاً لتوليد الطاقة الكهربائية خلال هذه الفترة! فإذا كان هذا التعهد صحيحاً، يعني أن هناك اتجاهاً فريداً لأن تكون الطاقة المتجددة هي البديل! فهل كان هذا الاتجاه واقعياً قبل أن يطعن به المحتجون!؟
بحسب تقرير حديث نشر السبت الماضي، لا تزال المصارف الفرنسية تموّل إنتاج الوقود الأحفوري (المتسبب بأكثر من 80% من الانبعاثات العالمية) بأضعاف مضاعفة عن تمويل الطاقة الانتقالية والبديلة والمتجددة (الشمس والهواء). ولم يتغيّر هذا الاتجاه منذ ثلاث سنوات، تاريخ إبرام اتفاقية باريس المناخية! فعن أي «تمويل» لصندوق المناخ سيتم الحوار في الاجتماع الـ24 في بولندا الأسبوع المقبل؟ وعن أي انتقال بيئي للطاقة سيتحدث الرئيس الفرنسي؟
لا نبالغ إذا قلنا اليوم، أنه من المهم الآن أن نرصد ماذا سيحصل في فرنسا لكي نعرف ما هو مصير الكوكب. فهذه الأزمة ذات الطابع العالمي بات يمكن اختصارها بالسؤال التالي: من وكيف يدفع ضريبة الكربون بشكل عادل، إذا كانت هذه الضريبة هي المدخل الأساسي وشبه الوحيد لحل مشكلة تغيّر المناخ العالمية؟ وكيف سيتم تطبيق مبدأ الملوث يدفع، إن على المستوى العالمي أو الوطني أو الفردي؟ وأي أثر اجتماعي لهذه الضريبة ومن يفترض أن يحملها؟ وكيف يمكن أن يحصل كل ذلك إذا لم يصبح النظام العالمي واحداً، كما هي القضية واحدة مثل تغيّر المناخ؟ وكيف يمكن حل قضية وجودية تتطلب تعاون كل دول العالم في ظل نظام اقتصاد السوق العالمي القائم على المنافسة بين الدول والشركات، أو الشركات-الدول؟!