اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / مصلوبًا يولَد المسيح

مصلوبًا يولَد المسيح

22-12-2020 | 01:17 المصدر: النهار

عقل العويط

مصلوبًا يولَد المسيح

كثيرةٌ هي الهوبرات والعنتريّات والمراجل اللفظيّة والإنشائيّة، الطنّانة الرنّانة. وقليلةٌ بل نادرةٌ هي الشجاعات النبيلة. الفروسيّات أيضًا. أمّا سلالم القيم والأفكار والمعايير والسياسات فلا بدّ من بقّ البحصة في شأنها، بدون نحيبٍ طبعًا، أو رثاء، أو حنينٍ إلى الماضي، وبدون بكاءٍ على الأطلال، ولكنْ أيضًا وخصوصًا وبالتوازي، بدون “مقاومةٍ” البتّة، أكانت وطنيّةً أم عربيّةً أم ذمّيّةً أم… إسلاميّة.  لم يبقَ موضعٌ ليولَد فيه مسيحٌ؛ لا مسيح المسيحيّين، ولا مسيح الذمّيّين، ولا عيسى بن مريم مسيح المسلمين، سنّةً وشيعةً وما شئتم من التسميات، عربًا وفرسًا وعجمًا، وحيث كان. أنظر إلى فلسطين مثلما أنظر إلى لبنان، فلا أرى فلسطين ولا أرى لبنان. وأكادني أقول سائلًا من فرط العجب: أكلُّهم، يا ترى، صهاينةٌ، تقريبًا؟ أكلُّهم صهاينة؟! هل أنعمتم نظرًا – ها هنا والآن – في مَن هم المسيحيّون (ولا تعميم) وقادة المسيحيّين (الموارنة لا سيّما!) وزعماؤهم والرؤساء والطامحون إلى تولّي السدّة؟ يمكن لإنعامٍ حصيفٍ كهذا أنْ ينبئ بالقحط الرهيب شبه العميم قطعًا، سهلًا والجبل، مدنًا وداخلًا، حيث لبنان (الذمّيّ) آيلٌ إلى زواله شبه الحتميّ، و”قسطنطينيّته” لا تزال تبحث في جنس الملائكة، حصرًا. وأيّ ملائكة! ينبغي للمرء أنْ يجيل النظر إلى أبعد، وفي الجهات كلّها، حيث تلوح في الأفق جليّةً – أو شبه جليّةٍ – عبارة “أرضكِ يا إسرائيل من النيل إلى الفرات”، وهي في حرفيّتها كالآتي: “في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقا قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات” (تكوين ١٥: ١٨). فأراني أقول بلا تردّد: بل أوسع، بل أوسع، إلى المشارق والمغارب، وفي الخلجان على السواء، عربًا أكانت الخلجان أم فرسًا أم عجمًا أم أبعد وأبعد. 

 ربّما ينبغي للمرء أيضًا، وبالتنبّه نفسه، أنْ يُنعم نظرًا في أحوال بلاد الشام، وبلاد ما بين النهرين، وأمم العرب وممالكهم وإماراتهم ومشيخاتهم أجمعين، وبلاد الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، وفي مراتب الحكّام والسلاطين، حيث تفوح وتنضح روائح الظلاميّات والخراب والهباء والعدم من كلّ حدبٍ وصوبٍ، مؤذنةً باقتراب موعد صهيون العظيم! لم يبقَ موضعٌ في فلسطين ولا في غيرها من بلاد العرب والمسلمين ليولَد مسيحٌ، ولا مقاومةٌ (إنسانيّةٌ) ولا أيضًا حرّيّة!  والحال هذه، قد يولد المسيح أينما كان مصلوبًا، وقد يولد مشوّهًا. فعلى أيدي هؤلاء، وفي أزمنة هؤلاء، لا مكان لمسيحٍ يولد عند جذع نخلةٍ ولا في مذود. فبئس ميلادٌ في أزمنة هؤلاء، وأحكام هؤلاء، وعلى أيدي هؤلاء. لكنْ. على مهلٍ، على مهلٍ، أيّها الناس. لا يُحبطنّكم شيءٌ ولا أحد. فلا مكان فينا لليأس. يبقى لنا الموضع كلّه لمسيحٍ يولَد في أرحام الأمّهات وأحلام المتمرّدين وأغاني الموعودين وقصائد الشعراء. وهو فلسطيننا، وهو لبناننا، وهو مسيحنا، وهو عيسى المسيح. وحين يولد يظهر “بغتة مع الملاك جمهورٌ من الجند السماوي مسبّحين الله وقائلين” (لوقا 13:2)، “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرّة” (لوقا 14:2). 

akl.awit@annahar.com.lb