الرئيسية / أضواء / مصطفى النحاس… مذكرات النفي

مصطفى النحاس… مذكرات النفي

مصطفى النحاس… مذكرات النفي

 ابراهيم عبد المجيد 
القدس العربي
https://www.alquds.co.uk/
29022020

ستظل ثورة 1919 ملهمة لمن يريد أن يعرف كيف غُدِر بها، وتم تزوير كل الحقائق بعد 1952. لقد كانت تلك الثورة أكبر ملهم لفتح الطريق الحقيقي أمام صعود الليبرالية المصرية. لهذا شغفت بهذا الكتاب «مصطفى النحاس.. مذكرات النفي» الصادر حديثا عن دار الشروق المصرية، الذي قام بتحقيقه عماد أبوغازي صاحب الدراسات العديدة في التاريخ، وقضايا الفن والمرأة وفلسطين، وصاحب الكتاب الفذ «طومان باي السلطان الشهيد»، وأحد أيقونات الحركة الطلابية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، الذي تولى وزارة الثقافة عاما لم يكتمل، بعد ثورة يناير/كانون الثاني، ثم استقال منها حين رأى الأمور ليست كما كانت الأحلام. حصل عماد أبوغازي على مذكرات مصطفى النحاس من الوفدي فؤاد بدراوي، واستغرق تحقيقها أربع سنوات حتى صدرت مؤخرا.
في المقدمة العميقة للكتاب يحدثنا عماد أبوغازي عن الدور المهم الذي لعبه مصطفى النحاس (1879 ـ 1965) في السياسة المصرية لحوالي نصف قرن، بداية من انتمائه للحزب الوطني، ثم انضمامه إلى حزب الوفد، الذي كان من الرعيل الأول لمؤسسيه مع سعد زغلول. ثم صار سكرتيرا عاما للوفد المصري، وتولى رئاسة الحزب بعد وفاة سعد زغلول عام 1927، والمناصب التي تولاها النحاس باشا منذ فوزه بعضوية مجلس النواب في أول انتخابات برلمانية أجريت على أساس دستور 1923، حتى رئاسته للوزراء. تاريخ طويل عظيم من النضال للنحاس باشا، حيث كانت أي وزراة وفدية تُقال بمباركة من الملك والإنكليز. حتى انتهي دوره ودور كل الأحزاب مع حلها بعد يوليو/تموز 1952 وصار معزولا سياسيا حتى وفاته عام 1965.
جيلنا يتذكر كيف تحولت جنازة النحاس باشا إلى مظاهرة تندد بيوليو، وما فعلته في طمس طريق الليبرالية، وتم القبض على الكثيرين ممن خرجوا يهتفون في الجنازة بسقوط نظام يوليو 1952. يقول عماد أبوغازي عنه، إن اسمه يقف بجدارة بجوار أسماء عظيمة مثل غاندي ونهرو في الهند، ودي فاليرا في أيرلندا، وكان خليفة لسعد زغلول في نضاله، كما كان نهرو خليفة لغاندي، وقدم طوال تاريخه نموذجا رائعا للتمسك بالمبادئ والصمود في وجه العواصف العالية. كثير جدا من البحث في التاريخ، حتى نصل إلى مذكرات النفي في جزيرة سيشيل، التي سبق ونفي إليها أحمد عرابي. كان النفي من نصيبه مع سعد زغلول وأربعة من قادة الوفد هم، فتح الله بركات وعاطف بركات وسينوت حنا ومكرم عبيد في ديسمبر/كانون الأول عام 1921 لفترة قاربت عاما ونصف العام.

إن البرقيات والتلغرافات هي أكثر ما جاء في المذكرات، وكانت أحيانا تكتب بلغة سرية يعرفونها ويعرفها من يراسلهم، وكانت كلها تتأكد من صحتهم وتحدثهم عما يجري في مصر وتطورات الحياة السياسية.

كيف حدث ذلك والطريق إلى المنفى، تسهب المقدمة في وصفه، وكيف كان ذلك مفجرا لموجة جديدة من موجات ثورة 1919، وكيف اجتاحت المظاهرات البلاد، والقمع الإنكليزي لها، حتى يصل إلى المذكرات التى دونها النحاس في المنفي في ثلاث كراسات، والتي تنشر لأول مرة، تغطي الفترة من 19 ديسمبر 1921 حتى 12 مارس/آذار 1923. هي في النهاية مذكرات فترة محددة يمكن استكمالها، كما يقول عماد أبو غازي، بمذكرات سائق سعد زغلول عبد الله غزالي، الذي رافقه في المنفى، والفصول التسعة الأخيرة في مذكرات فخري عبد النور، ومذكرات راغب إسكندر، وكلاهما تقدم الصورة عن مصر. البداية في الكراسة الأولى قبل النفي حين وقع الخلاف بعد صدور مرسوم سلطاني لتأليف بعثة رسمية للسفر إلى لندرا ـ لندن ـ في 19 مايو/أيار 1921 لبحث الاستقلال. كانت البعثة برئاسة عدلي يكن رئيس الوزراء.
خالف الوفديون الأمر قبل وبعد فشل البعثة، فتمت محاصرتهم ونقلهم إلى المنفى، بعد أن دعا سعد باشا زغلول وكيل الأمة الأمين ورئيس الوفد المصري وجهاء القوم من مختلف الطبقات، لاجتماع عام ليلة الجمعة 23 ديسمبر في «نادي سيرو» في القاهرة، للنظر في الأحوال الحاضرة، فأصدر اللورد اللنبي أمرا عسكريا في 19 ديسمبر بإلغاء الاجتماع، بحجة المحافظة على الأمن العام، فاحتج سعد باشا على هذا المنع، وتوالت الاحتجاجات في جميع أنحاء القطر المصري.
تفاصيل ما جرى ساعة بساعة حتى بدأ الرحيل، وفض المظاهرات، ومحاصرة الوفديين والتحفظ على أموالهم، وإنذارهم بعدم الاشتغال بالسياسة، ورفضهم لكل ما يريد الإنكليز، وبدء نقلهم خارج البلاد. رحلتهم بالقطار حتى ميناء السويس. تبدأ الكراسة الثانية في يوم الجمعة 30 يونيو/حزيران 1922 في سيشيل. هنا الحياة بتفاصيلها الصغيرة مثل الأمراض في البول والمعدة والرمد، وحالاتهم الصحية، والأعياد والمناسبات الدينية والوطنية، واحتفالهم بها وعلاقاتهم مع رجال الإدارة في سيشيل، والقيود الرقابية التي فرضها الإنكليز على حركتهم، وما يصلهم من خطابات وتلغرافات، وجلساتهم حول الموائد وشرب الشاي، وسائر التفاصيل الصغيرة التي تشغل الكراسة كلها. والكراسة الثالثة كذلك حتى تم نقل سعد باشا، الذي كانت صحته في تراجع إلى مالطا بعيدا عنهم.
إن البرقيات والتلغرافات هي أكثر ما جاء في المذكرات، وكانت أحيانا تكتب بلغة سرية يعرفونها ويعرفها من يراسلهم، وكانت كلها تتأكد من صحتهم وتحدثهم عما يجري في مصر وتطورات الحياة السياسية.
تفاصيل صغيرة تصنع جوا إنسانيا مثل قول النحاس يوم الخميس 6 يوليو 1922 «أرسلت تلغرافا للمنزل بمصر أهنئ فيه وحيد ومصطفى بنجاحهما في امتحان الشهادة الابتدائية وأوافق على دخول وحيد المدرسة الثانوية داخلية، وبسروري لصحة الوالدة»، أو قوله «وأرسل فتح الله تلغرافا لابنه بهي الدين يطلب دواء وقاموس فرنساوي عربي «، أو قوله في 2 أغسطس/آب 1922 «لم ينم الرئيس ـ يقصد سعد زغلول – ليلا نوما كافيا وأصبح شاعرا بالضعف وبالتعب، وقال إنه يحس بالاستمرار في الضعف لدرجة أنه يفضل ألا يعمل أي شيء بيده، وأشار إلى البيض الذي كان يقشره أثناء الفطور وقال: حتى هذا فإنني أشعر بتعب عند تقشيره بيدي، وأميل لأن يقشره غيري» إلخ، أو في عيد الأضحى حين يقول «وذبحنا الخروف وأهدينا منه لجيراننا، فسروا به سرورا كبيرا وشكرونا، وتمشَّى الرئيس لأول مرة وحده بعد مرضه، فكان هذا يشير إلى تفاؤل عظيم».
التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية التي تبدو كتتابع سيناريو متقن، مع ما يصلهم من محاكمات للمعارضين في مصر، واضطرابات ومقاومة للاحتلال لا تنتهي، ويضيق بها المقال ويحفل بها الكتاب الرائع الذي هو ثروة لمحبي الأدب بصور الحياة اليومية في المنفى، مثل محبي السياسة بالأحداث والأفكار.
وأحب أن أنهي مقالي بما قاله النحاس على لسان سعد زغلول، أثناء تناوله طعام الغداء معهم «لو أن في مصر حكومة تعمل لصالح البلاد لما عملت على إضعاف الرأي المعارض لها، فإنه إن كان قويا يمكنها أن تعتمد عليه أمام العدو، في اقتضاء حقوق البلاد منه، وإن أضعفته اضطرت أن تقبل من العدو كل ما يمن به عليها، ومن البلية أن الحكومة الحاضرة، تقمع كل حركة معارضة بكل شدة، فإذا سكنت الحركة قال أذنابها، لا توجد معارضة، وإننا مضطرون أن نقبل من العدو القوي كل ما يمنحه لنا… اللهم أعنا على دفع هذا البلاء عنا، وخذ بناصية الأمة إلى الطريق السوي الموصل لغاية الغايات وهي الحرية الصحيحة والاستقلال التام».

٭ روائي من مصر

اضف رد