الرئيسية / home slide / مصر: مصايف الفقراء تبدأ بحلول الخريف وتمتد حتى مطلع الشتاء

مصر: مصايف الفقراء تبدأ بحلول الخريف وتمتد حتى مطلع الشتاء

حسام عبد البصير
القدس العربي
17102021

مرتبطة برحيل الأثرياء وفي انتظار عروض نهاية الموسم

القاهرة-»القدس العربي»: قدر للفقراء ان يصلوا لأحلامهم متأخرين عن الموعد أو هم لا يصلون مطلقاً، الزواج من فتيات أحلامهم، امتلاك شقة، سيارة وملابس أنيقة، كل ما يعبر في الذاكرة من أحلام. ومن جملة ما يشتهي أبناء الطبقة الفقيرة إجازة مصيف وهو ما بات يرتقي لمستوى الحلم أخيراً إذ أصاب الجنون أسعار الكثير من المصايف والقرى السياحية كما رفعت معظمها شعار كامل العدد طيلة الموسم ولم يكن أمام محدودي الدخل من الفقراء سوى الانتظار طويلاً حتى يقتنص الأثرياء كل ملذاتهم ثم يرحلون تاركين البحر بعد دخول فصل الخريف الذي بات يشبه أحلام الفقراء المستعملة سلفاً من قبل الأغنياء. نهاية ايلول/سبتمبر الذي ودعنا، تسلل الفقراء للمصايف مستأنفين السباحة بينما لدغة برد تصيبهم بحلول تشرين الأول/اكتوبر لكنهم في الغالب يعزون أنفسهم بأنهم على أي حال وصلوا للمصايف الفارهة التي كان الأثرياء يحتلونها في الأشهر الخمسة الماضية. تعليمات صارمة من قبل العاملين في تلك المدن الأنيقة بالساحل الشمالي للنزلاء الجدد بحسن التعامل مع الأثاث والمقتنيات وحذار من السطو على أي من الأواني أو المقتنيات في الشاليهات والشقق. أيام معدودة يسرقها الفقراء لرؤية البحر بالكاد حيث تبدأ الدراسة في التاسع من تشرين الأول/اكتوبر الجاري ولا تغيب عن بال الآباء والأمهات هموم نفقاتها بدءا بمصاريف العام الدراسي وثمن الزي المدرسي والكتب ثم الكارثة الأكبر متمثلة في الدروس الخصوصية التي باتت كابوساً مزعجاً لمختلف الأسر على حد سواء.

الساحل الشرير

جرت العادة ان ينتصر الخير على الشر في «الأفلام القديمة على الأقل» غير أنه بالنسبة للطبقة المخملية يبدو الأمر مقلوباً إذ الشر ينام أهله بمنأى عن الملاحقة والمتسلل لقرى الساحل الشرير كما بات يطلق بعض رواد مدن الساحل الشمالي عليه، يرى عجبا. مصروف الشباب اليومي يتجاوز نهاية الخدمة بالنسبة لموظف بسيط في وزارة الثقافة التي تعد عنوانا عريضا على البؤس والشقاء لعموم الموظفين إذ تتذيل قوائم الوزارات هي و»التربية والتعليم» بالنسبة للأجور والحوافز. «م» فنان تشكيلي ومصمم عرائس ويعد الأكثر موهبة في مجاله هو الآن في السابعة والستين من عمره لكنه لا ينسى مكافأة نهاية الخدمة التي حصل عليها عن عمله طيلة 37عاما في إحدى الجهات التابعة لوزارة الثقافة والتي لم تتجاوز 25 ألف جنيه. ينفث دخان سيجارته وهو يسخر من فرط صدمته بعد ان اكتشف أن «تحويشة العمر» التي ادخرته لها من جملة الاستقطاعات التي يتعرض له راتبه الهزيل على مدار سنوات عمله تكفي بالكاد لقضاء خمسة ليالي تقل عن المصروف اليومي لشاب خلال إجازة الصيف يحصل عليه من والده في الساحل الشمالي. ما يحدث سنويا في مصايف الأثرياء وتحديدا في منتجعات الساحل الشرير، على حد وصف الكثيرين للشريط المطل على البحر المتوسط من أول القرى السياحية المنتشرة حتى مرسى مطروح، أمر جدير بالدراسة. فقد شهدت السنوات الأخيرة كثيرا من العادات الناشئة من قبل خبراء الاقتصاد وعلماء النفس والاجتماع بل ورجال الدين على حد سواء. بحكم عمله مهندسا للديكور زار المحال للتقاعد معظم تلك القرى السياحية لذا ينصح أبناء الطبقة الوسطى وبالتأكيد الفقراء ألا يفكروا في التوجه لأي من مدن الساحل الشمالي كي لا يصابوا بعقد نفسية ستلازمهم طويلاً. أما بالنسبة لسلوكيات قرى الساحل من وجهة نظر الكاتب خالد أباظة فتتجاوز الظاهرة الاجتماعية إلى نظام اقتصادي واجتماعي مغاير يتمتع بخصائص فريدة عن سائر أنماط ما يعرفه المجتمع المصري. فالساحل الشمالي لا يطور سلوكا متفردا هو فقط معرض موسمي مكشوف لسلوكيات وأخلاقيات تمارس على مدار العام، ولكن في أماكن أقل انكشافا وأدنى كثافة سكانية. لقد تطور الغرض من استغلال تلك البقعة الشمالية الجميلة من الاصطياف والاستمتاع بالمياه الزرقاء والرمال البيضاء الناعمة التي يمتاز بها ساحل المتوسط في مصر، إلى أسواق لبيع واستعراض مختلف المهارات والمزايا التنافسية.

حلم مريم

تدقق مريم الناجية من جحيم الثانوية العامة أخيراً إذ نجحت في اختبار كلية الفنون التطبيقية، في إعلانات عروض المصايف التي تقيمها شركات السياحة نهاية موسم الصيف إذ تهوي بعض العروض ثلاثة أرباع قيمتها أول الموسم مما تعد فرصة مثالية للقابعين في سلم الحياة الاجتماعية كي يزوروا القرى السياحية التي تقع في نطاق الساحل الشمالي الممتد حتى محافظة مرسى مطروح. بالكاد تنجح مريم وأسرتها المكونة من أب يخوض صراعاً حياتياً من أجل توفير احتياجات أسرته المكونة من أربعة أفراد في العثور على شاليه صف ثاني بإحدى القرى القريبة من مارينا. كان على عائلة مريم ان تختار بين ثلاث قرى إحداها في السخنة وثانية في أول طريق الساحل الشمالي والثالثة بالقرب من مطروح، وقبل ان تقدم على أي من العروض اصيب رب العائلة بالصدمة حينما سأل عن أسعار الوجبات بالمطاعم التي تعمل في حرم تلك القرى فاكتشف ان سعر وجبة الغذاء للفرد يبدأ 500- 800 جنيه غير رسم الضريبة. حالة عائلة مريم تحاكي العديد من المنتمين لأسر الطبقة الوسطى الذين كانوا يطمحون للانتقال لسلم المجتمع الأعلى لكن انتهى بهم الحال للتراجع نحو الطبقة الدنيا لذا بات هدفهم ينتهي عند مجرد الحفاظ على موضعهم من الحياة.

ضمائر في إجازة

تذكروا أسماء هذه القرى جيداً «مراسي، مارينا، أمواج، لافيستا، فوكا باي، بو ساندس، غولف بورتو مارينا» تلك القرى بالساحل الشمالي وغيرها يعتبرها الأثرياء ملاذهم الصيفي لمنح ضمائرهم إجازة بالإكراه كي لا يفسد الفقراء الذين يجاورونهم بقية العام في العاصمة والمدن الكبرى حيث يعملون أو يدرسون. وأبرز المدن التي تعد حكراً على الأثرياء دون سواهم أيضاً هي: قرية مرسيليا الساحل الشمالي وتقع على الكيلو 69 طريق الإسكندرية مطروح وتحظى بخدمات فندقية ومراكز طبية ومول تجاري وحمامات سباحة مترفة بالملذات وتتميز بالأمان لوجود حراسة وأماكن ترفيهية للأطفال. يرى عشاق الصيف والسفر من طبقة الأثرياء ان الساحل الشمالي هو الأفضل من حيث الموقع والخدمات في سائر المقاصد السياحية في عموم محافظات مصر السياحية، حيث فيلل وقصور الحيتان السمان. وتعد أفضل القرى تلك التي تقع بسيدي عبد الرحمن طريق العالمين ويبدأ أسعار إيجار الشاليهات بنحو 4.500 جنيه، كما تتميز بالشاطئ المستقل فضلاً عن سلاسل المطاعم والكافيهات ومناطق الترفيه التي لا تتكرر في غيرها من المصايف، ومن القرى الشهيرة كذلك قرية تلال الساحل الشمالي والتي تقع بالكيلو 129 طريق الإسكندرية مطروح حيث تبدأ أسعار الشاليهات بـ4.500 جنيه في اليوم. أما قرية مرسيليا بيتش الساحل الشمالي فتقع في طريق العالمين في سيدي عبد الرحمن، وبالنسبة لأسعار إيجار الشاليهات فيتراوح من2000-2500 جنيه يوميا. كما تتميز بالعديد من الخدمات لراحة المصيفين مثل المطاعم وحمامات السباحة ونادي للأطفال وسينمات ونافورة راقصة ومرسى لليخوت وملاعب وفنادق والرياضة المائية ومسرح مكشوف ومول تجاري لشراء الأغراض التي قد يحتاجها الشخص في أي وقت. ومن القرى المتميزة كذلك ديبلو وأمواج ومارينا الساحل الشمالي، التي تعتبر من أشهر القرى السياحية في الساحل وذلك لوجود البحيرات الصناعية فيها، وبالرغم من كثرة القرى السياحية هناك إلا ان الأخيرة تعد أفضل المنتجعات بالشريط الساحلي. وتتميز معظم تلك القرى بالعديد من الخدمات والمرافق منها الشواطئ الخاصة مثل تشيكيتا ولابلاج ولافام وتضم أكبر ميناء يخوت في مصر وصالات الجيم والبلياردو ونوادي للسيارات، والبحيرة الدائرية وفندق بورتو الشهير بالإضافة لمولات تجارية. من القرى التي تحظى باقبال كبير قرية زهرة الساحل الشمالي تم إقامتها على مساحة 900 فدان وتضم شاليهات وفيلات وجميع الأقسام تم تشطيبها على مستوى عالمي، كما تمتاز بمساحات خضراء كبيرة.

جنة الدنيا

للطبقة الراقية سلوكها وحياتها ووجباتها وبالتأكيد فإن لها كذلك مطاعمها التي لا يقترب منها سواهم ومن أبرزها في الساحل الشمالي «ساتشي» و «ليمون ترى» و»جالمبو» التي تفتح أبوابها حتى قبيل الفجر بساعة وتستقبل فئة من رواد الساحل لهم طبيعة خاصة إذ لا تعد السياسة والحديث في الشأن العام من بين اهتماماتهم حيث تدور أحاديثهم في الغالب حول السفر والسياحة وأحدث السيارات. رسم دخول تلك المحلات 1500 جنيه للفرد، شاملة مشروبا واحدا، في الغالب ساعات العمل تستمر حتى الرابعة والخامسة صباحاً بالمخالفة للقوانين واللوائح. وطالما كان الزائر يمتلك المال فليست هناك ثمة محاذير حيث يتم السماح للشباب تحت السن القانوني بدخول هذه الأماكن وتناول الخمور سراً. وعادة ما يستعين أصحاب تلك النوادي الليلية بقبضايات أو حراس لزجر كل من يرتدي ملابس غير لائقة. موسيقى صاخبة أشبه بتلك التي تصدح في حفلات عباد الشيطان. المثير للجنون ان مبالغ الصيانة السنوية التي يفرضها أصحاب القرى على الشاليهات والفيلات تلامس 180 ألف جنيه سنوياً للفيلا و50 ألفا للشاليه. وتسجل صفحات الحوادث وكثير من الأعمال الدرامية كما من الأسر تشرد أفرادها بسبب فشل ولي أمرها في تدبير نفقات المصيف بسبب الأوضاع البائسة التي ترزح تحتها الأسر الكادحة التي كانت تنتمي في السابق للطبقة المتوسطة قبل أن ينتهي الأمر بالسواد الأعظم من تلك الطبقة لأن تهبط للقاع، لأجل ذلك جاء الحل السحري الذي ابتكره أولا التجار ثم ما لبث ان عرف طريقه للمؤسسات البنكية والمتمثل في التقسيط والذي عرف طريقه أولا للمساهمة في تملك الوحدات السكنية ثم لجأ البعض له بهدف أداء مناسك العمرة وشراء جهاز العروس ثم انتهى به الأمر إلى ان بات يعمل به في مجال تقسيط المصايف لغير القادرين. ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وما نتج عنهما من عزوف المصريين عن الرفاهيات، والاكتفاء بضرورات الحياة فقط، دفع بعض شركات السياحة وملّاك العقارات الخاصة، إلى توفير خدمة المصيف بالتقسيط، عن طريق توفير غرف وشقق للمصطافين بنظام الدفع المريح وبمقدم حجز بسيط يغريهم على المقامرة. شركات سياحية نشطت في الأعوام الأخيرة تنظم رحلات للمصايف بنظام التقسيط، للشاليهات والشقق ويختلف السعر من قرية لأخرى بالساحل الشمالي لكن لا يقل عن 1500جنيه لليوم الواحد في ذروة مطلع موسم الصيف بالنسبة للقرى والشاليهات متوسطة المستوى، بينما يقفز المبلغ لستة أضعاف في القرى الأكثر أناقة وبحسب موقعها من البحر وبالنسبة للفنادق بمقدار 1850 جنيهاً لليلة في فندق 4 نجوم، وحوالي 2100 جنيه لفندق 5 نجوم، على أن يتم دفع مقدم حجز بمقدار ربع المبلغ الاجمالي ويتم تقسيط باقي المبلغ على شهرين أو ثلاثة، وتوفر بعض الشركات المالكة للقرى للمصيفين انتقالات، بالإضافة لوجبة إفطار. أما في مدينة الغردقة، فوفقاً لشهادات سماسرة يصل سعر إقامة الفرد داخل غرفة بسريرين إلى 900 جنيه، بينما يبلغ سعر تأجير شقة غرفتين 2850 جنيهاً لمدة أسبوع بينما الشقة ذات الثلاث غرف فيبلغ سعرها 3350 جنيهاً، ويدفع النزلاء 1000 جنيه مقدم حجز، ويقسط المبلغ المتبقي حتى 15 يوماً قبل الرحلة، كما أنه يوفر للزوار وسائل مواصلات طيلة فترة الرحلة.

مصيف حلال

الصراع الأشد وشبه المتكرر على وجه التحديد داخل هذه القرى الراقية مرده «المايوه» البعض يريده شرعيا يحجب الفتنة عن الرجال وبوركيني ترتاده النسوة والفتيات اللواتي يبحثن عن المتعة الحلال بدون ان يقترفن الأوزار، والبعض الآخر يرفض هذه الفكرة تماماً ويتمسك بالبيكيني معتبرين من يلجئن للمايوه الشرعي من المتشددات وانتهى الأمر بدعوة بعض الرواد بضرورة حسم الخلاف بين الفصيلين لتقسيم القرى من الداخل بين مناطق نفوذ لأنصار البوركيني وعشاق البيكيني. ومن أبرز المصايف المخصصة للفقراء والطبقة المتوسطة والتي يفرض فيها أنصار البوركيني سيطرتهم مصيف رأس البر الذي أصبح في حلة جديدة يتجدد ليصبح أكثر جذباً للبسطاء. وشهد خلال العامين الأخيرين تطورا لافتاً في عهد المحافظ الذي أولى للمصيف اهتمامًا كبيراٌ، جعلته يعود لسابق عهده جاذباً لشرائح مختلفة من الزائرين. ووفقاً لتقارير إعلامية تم تطوير الكورنيش بدءا من منطقة الجربى مشروع شمال وجنوب الصيادين برأس البر فضلاً عن مشروع السوق الحضارية برأس البر الذي وضع نهاية لمشكلة الإشغالات التي كانت تؤرق رواد وراغبي التنزه في شارع النيل برأس البر، وهو الشارع الذى ينتهي بمنطقة من أروع بقاع الأرض وهي منطقة اللسان التي تلتقي بها مياه نهر النيل بالبحر المتوسط، ويقع في وسطه فندق اللسان الذي يمثل نقلة سياحية وحضارية لرأس البر بشكل عام. ويشهد المصيف حاليًا علاوة على تجميل الحدائق والاهتمام بالشواطئ بشكل عام بما يليق بالمدينة وتاريخها كمصيف يستقبل الطبقة الوسطى والبسطاء على شاطئ واحد، وعلى الرغم من وجود بعض المناطق التي يشكو المصطافون من أسعارها المرتفعة، إلا أن رأس البر ما زالت تستقطب الأسر الراغبة في قضاء إجازة الصيف وكذلك مصطافي اليوم الواحد الذين يستهدفون الاستمتاع بالاستحمام بالبلاجات أو التنزه ليلا وتناول الفطائر الشهيرة والحلويات الدمياطية بدون ان يرهقوا ميزانيتهم المتواضعة. جدير بالذكر انه تم تنفيذ عدد من المشروعات السياحية منها إعادة تطوير جزيرة رأس البر وإنشاء مسرح صيفي بمنطقة اللسان، وتطوير شارع بورسعيد وكورنيش البحر وشاطئ النخيل وقرية رأس البر زمان، وخليج رأس البر، ومقاصد أخرى. المصيف يحتل مساحة كبيرة في حياة الكثير من المشاهير، وسبق ان تم به تصوير عدد من كلاسيكيات السينما المصرية، ومن أشهر المصايف التي تعد وجهة للفقراء مصيف بلطيم، بمحافظة كفر الشيخ والذي يصطاف فيه العديد من فقراء المصريين نظرًا لرخص أسعار الشقق والشاليهات به مقارنةً بشرم الشيخ، والساحل الشمالي، والعين السخنة، ومرسى مطروح، وغيرها من المصايف الباهظة الثمن، لذلك تبحث الأسر البسيطة عن أسعار الشقق في مصيف بلطيم، ليتمكنوا من قضاء الإجازة بأسعار في متناول أيديهم.