مصر تفتتح أكبر كاتدرائية في المنطقة…اجراءات استثنائية لتصحيح الملف القبطي

القاهرة-ياسر خليل المصدر: “النهار”

    •  4 كانون الثاني 2019

مجسم لكاتدرائية ميلاد السيد المسيح

يفتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر، يوم الأحد المقبل. ويأتي الافتتاح مواكبا لحزمة من اجراءات استثنائية، اتخذتها القاهرة خلال الأسابيع الأخيرة “لتصحيح مسار الملف القبطي، ولمواجهة الأزمات الطائفية والعصبية الدينية، التي يعاني منها المسيحيون بين الحين والآخر”.

وأعلن الناطق الرسمي باسم الكنيسة الأرثوذكسية في مصر القس بولس حليم، الخميس “افتتاح أكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط، كاتدرائية ميلاد السيد المسيح، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي والبابا تواضروس الثاني مع أحبار الكنيسة الأجلاء أعضاء المجمع المقدس، وذلك في قداس عيد الميلاد يوم 6 كانون الثاني 2019”.

وإلى جانب الكاتدرائية التي بنيت على مساحة 63 ألف متر مربع، وتتسع لأكثر من 8 آلاف شخص، أصدر السيسي قراراً بتشكيل “اللجنة العليا لمواجهة الأحداث الطائفية”، ويرأسها مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الأمن ومكافحة الإرهاب، وتضم في عضويتها ممثلاً لكل من هيئة عمليات القوات المسلحة، والمخابرات الحربية، والمخابرات العامة، وهيئة الرقابة الإدارية، والأمن الوطني.

كما شهدت الفترة الماضية تفعيلاً لقانون تنظيم ترميم وبناء الكنائس لعام 2016، وشرعت على أثره مئات دور العبادة المسيحية، بعدمابقي وضعها معلقاً عشرات السنين.

وجاء تحرك القاهرة غير المسبوق، في أعقاب سلسلة من الاضطرابات التي شهدتها محافظة المنيا (267 كيلومتراً جنوب العاصمة المصرية)، خلال الأسابيع الأخيرة من العام الماضي، حيث أطلق مسلحون النار على أوتوبيسات تقل أقباطاً في طريقهم إلى دير الأنبا صموئيل، وهاجم متشددون أقباطاً كانوا يصلون في مبني جديد اتخذوه كنيسة بقرية كوم الراهب، وأردى أمين شرطة رجلاً قبطياً وابنه بإطلاق النار عليهما بعد مشادة كلامية نشبت بينهم.

“أمن قومي”

ويرى المفكر القبطي كمال زاخر أن “الإجراءات الأخير تشكل منظومة مهمة مرتبطة بالتراكم الحاصل في الملف القبطي”. ويقول لـ”النهار”: “إنها تؤكد توجه الرئيس بشكل شخصي، وتكشف إدراكه بأن هذا الملف أمن قومي، وأتصور أنها لا تحاصر المتطرفين فحسب، ولكنها تحاصر الجزء الراديكالي في الجهاز الإداري للدولة، لهذا وضع في لجنة مواجهة الأحداث الطائفية -على غير العادة- عضوا من الرقابة الإدارية، وهي هيئة مهمتها مراقبة الجهاز الإداري للدولة، وهو ما قد يشير إلى أن صاحب القرار لديه معلومات أو ما يؤكد أن هناك في هذا الجهاز من يدعم الإرهاب”.

“وبالتالي فإن وجود عضو من هذه الهيئة في اللجنة، يمثل ردعاً لكل من تسول له نفسه دعم هذه الجماعات” يوضح زاخر، “خاصة أن هذا الدعم لا يستهدف الأقباط فقط، ولكنه يرمي إلى إسقاط النظام الحاكم من خلال هذا الاستهداف، باعتبار أن الأقباط حلقة ضعيفة وملتهبة، وأي ضغط عليها يحدث دويا، ويستدعي ردود أفعال محلية، وإقليمية، ودولية”.

ويضيف أن “الرئيس لن يفتتح الكاتدرائية الجديدة فقط، ولكنه يفتتح أيضاً مشروع الإسكان البديل للعشوائيات، وقد لاحظنا أنه سأل منفذي المشروع: أين الكنيسة التي هنا؟ والرئيس لا يداعب مشاعر الأقباط بسؤاله هذا، ولكنه يبعث برسالة إلى (الدولة العميقة) التي تقاوم كل الإجراءات التي يقوم بها السيسي، وهذا لا ينطبق فقط على الجماعات المتشددة، ولكن كل من تشبع عقله بأفكارها المتطرفة، حتى وإن كان داخل الجهاز الإداري”.

ولو نظرنا للتشكيل الحالي للجنة، وقارناه بالتشكيل الذي ضمه المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب كما يقول المفكر القبطي “ربما يمكننا قراءة ما بين سطور القرار الرئاسي. إن لجنة مواجهة الأحداث الطائفية لا تضم المؤسسات الدينية، وهذا معناه كف يد تلك المؤسسات عن الحديث في هذه الأمور، لأنه حين يتحدث العضو الممثل للهيئة الدينية فإنه ينطلق من أن ما يقوله كلام الله، وهذا يؤثر على قرارات البعض، ويعيق جهود مكافحة الإرهاب”.

وعن توقيت صدور قرار تشكيل اللجنة، يقول زاخر: “صدر القرار في 30 كانون الأول 2018، ونحن نتذكر أنه في شباط من العام نفسه، انطلقت العملية الشاملة لمكافحة الإرهاب (سيناء 2018)، وقد حققت نجاحاً كبيراً بنهاية السنة. وفي العام الجديد، أتصور أن القرار يعد تطويراً للعملية الشاملة لتمتد مظلتها إلى مصر كلها، ونحن نلاحظ أن اللجنة تتضمن الجهات التي تدير (سيناء 2018)”.

“الدولة تلقي بثقلها”

وتقول الصحافية المتخصصة في الشأن القبطي وفاء وصفي لـ”النهار” إن “حزمة القرارات التي اتخذتها الدولة مؤخراً، تشكل رسالة واضحة من القيادة السياسية، إلى عدة أطراف، بأن الدولة تدرك أن هناك مشكلة حقيقة، ولن تتركها دون حل، بل إنها تتخذ خطوات جادة لحلها، وهذا تجلى بوضوح في تشكيلة لجنة مواجهة الأحداث الطائفية، وكذلك في تقنين أوضاع الكنائس”.

وبناء الكنائس وتشريعها بصورة خاصة، كما تشير وصفي “يعد من أكثر الأمور التي يتم استغلالها لإحياء الفتنة، والسلطة سعت لوأد هذه الفتنة، بأن بدأت في تتشريع أوضاع الكنائس، واتخذت خطوات سريعة في هذا المجال، مؤخرا، لذا نرى كل شهر مجموعة أو مجموعتين من الكنائس التي شرعت، وفي آخر مرة صدر قرار بالتقنين، وطلب من الكنيسة استكمال الإجراءات اللازمة لاستيفاء الشروط القانونية، وهذا يوضح أن الدولة ليست لديها أي مشكلة في بناء الكنائس، وهذا يشمل الطوائف المسيحية الثلاث لا (االغالبية) الأرثوذكسية فحسب”.

“الرئيس يصر على أن تبنى كنيسة في كل مكان جديد يفتتحه، ويهتم بأن يكون حجمها مناسباً لعدد المسيحيين في هذه المنطقة، وهذا جعل بعض الأقباط الذين كانوا مقتنعين بأن الدولة منحازة ضدهم، يغيرون وجهة نظرهم بشكل ايجابي، خاصة بعد أن خلت لجنة مواجهة الأحداث الطائفية من رجال الدين المسيحي والإسلامي، وهو ما أعطى شعوراً بأن هناك خطوات جادة جدا لحل الأزمة، وأن الدولة تعلن صراحة، بأن حل المشكلة بيدها، وليس مخولاً لفئة من الشعب”.

ولاقت الإجراءات الجديدة التي يتابعها الرئيس المصري من كثب ردود فعل إيجابية في أروقة البرلمان، وفي وسائل الإعلام، وفي دوائر المواطنين الأقباط والمهتمين بالشؤون القبطية والحقوق المدنية، كما لاقت العديد من التعليقات الإيجابية على مواقع التواصل الاجتماعي، وأكد قطاع كبير من المعلقين على أن تلك الإجراءات تمثل خطوة جادة لحل أزمة ملتهبة استمرت لعقود متتالية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*