مصارحة واضحة وضرورية

مروان اسكندر
النهار
02112018

نسمع الكثير عن الخطة الاقتصادية للحكومة الجديدة وعسى ان تولد. في المقابل لا نعلم ما هي هذه الخطة ومعالمها لم تتضح وحديث وزير الاقتصاد المنشور في “النهار” هذا الاسبوع أفاد ان من تلك المعالم توضيح مجالات التعاون بين الوزارات والوزراء واتباع خطة ماكينزي، ويا لها من خطة.

تقرير ماكينزي، الذي لم يأت بجديد، يرى ان قطاع الخدمات الذي يشمل العمل المصرفي، ونشاط السوق المالي، وخدمات الصحة والتعليم والنقل والاتصالات وبرامج المعلوماتية والسياحة والطيران الخ يشكل 80 في المئة من الدخل القومي مقابل 20 في المئة تتوافر من الزراعة والصناعة. ويوصي بقلب المعادلة الى 60 في المئة للخدمات و40 في المئة للصناعة والزراعة وكأن الخدمات هي مرتكز الاستغلال للمواطنين والزراعة والصناعة توفران الخير للبنان. ومن ثم وبعد هذا التحليل المبسط يوصي بتطوير السياحة ومبادرات تطوير برامج الكومبيوتر، وهذه من صلب الخدمات.

سادتي الكرام، شركة ماكينزي معرضة للملاحقة في جنوب أفريقيا، التي تتوافر من اللبنانيين العاملين في ارجائها منافع كبيرة للبنان، لاهمالها تبيان خسائر تفوق الـ800 مليون دولار لمجموعة شركات تملكها عائلة هندية. فرجاءً، قياسًا بتقويمها المبسط للاقتصاد اللبناني وتوصياتها التي تخالف توصيتها الاساسية بالتحول عن الخدمات، لا تعتمدوا تقرير ماكينزي في برنامجكم الذي ننتظر بفارغ الصبر ودون أمل كبير لمعرفة تفاصيله.

سادتي المسيرين شؤون العهد، والمطالبين الجميع بدعم العهد، نرجوكم توضيح برنامج السنوات الاربع المتبقية من ولاية فخامة الرئيس، والمؤشرات المتوافرة لا تبعث على التفاؤل. فالامتحان الاول، الذي افترض اجتيازه بخفض عجز الموازنة 250 مليون دولار لهذه السنة مقارنة بالسنة المنصرمة فشل، لان الموازنة ستظهر عجزًا يتجاوز عجز السنة السابقة لا يقل عن 700 مليون دولار، وتالياً تكون الممارسة غير المنتظمة رفعت العجز عن التقدير 950 مليون دولار.

تحدثت السفيرة الاميركية حديثاً عن الوضع الاقتصادي وقالت حرفيًا، ان لبنان استطاع الحصول على وعود بالتمويل في مؤتمر “سيدر” تتجاوز الـ10 مليارات دولار لاعادة تجهيز منشآت البنية التحتية وترفيعها، وعطفت على الاشارة الى الوعود القول ان الاموال لن تتوافر ما لم تكن هنالك برامج واضحة لتحسين الادارة العامة، وتكريس الشفافية في استدراج العروض، وصوغ شروط المناقصات بكفاية.

القاصي والداني في لبنان والمؤسسات الدولية يعرفون ان المشكلة العصية هي تأمين الكهرباء دون هدر نسبته 50 في المئة على شبكة توزيع مهترئة، وسرقات متوسعة وتمنع عن تسديد فواتير تقدم للمستهلكين دون تفاصيل.

العجز الاكبر في الانفاق العام منذ عام 2008، أي خلال عقد من الزمن، كان نتيجة طلبات الدعم لتأمين المحروقات للمعامل المتقادمة العهد لانتاج الكهرباء والشبكات المهترئة والممارسات العقيمة. والافتراض تخصيص وزارة الطاقة بالفئة التي اشرفت على الهدر مدى 10 سنين وتسببت بارتفاع نسبة القروض لمؤسسة كهرباء لبنان وفوائدها الى مستوى 43 في المئة من الدين العام.

عجز معالجة الكهرباء كان ولا يزال السبب الرئيسي لتزايد الدين العام، وعشر سنين انقضت ومليارات الدولارات اهدرت ولم نزد طاقة الانتاج ميغاوات واحداً، بل توجهنا الى استئجار البواخر، التي بعد استهلاكها مئات ملايين الدولارات تترك الشواطئ اللبنانية دونما زيادة في طاقة الانتاج.

يدعو اليوم وزير الطاقة في حكومة تصريف الاعمال الى اعطاء الشركة التي تعهدت انشاء معمل ثان في دير عمار امتياز انتاج 550 ميغاوات، وانجاز المعمل خلال سنتين مع تخصيص الشركة بامتياز لـ20 سنة شرط تعهدها تغطية نفقات انجاز المصنع. ان السبب الحقيقي لتوجه الوزير الكريم تخوف الحكومة اللبنانية من ربح الدعوى التي اقامتها الشركة عليها استنادًا الى شروط العقد الموقع عام 2013 ويبدو ان توجه المحكمة هو الى الزام الحكومة دفع 200 مليون دولار تعويضًا لعدم قيامها بالتزاماتها.

يريد الوزير تفادي اضرار التعويض ماديًا ومعنويًا وقد اتجه الى الاتفاق مع الشركة القبرصية – التي لا تتوافر لديها الخبرة المطلوبة والامكانات المالية لعقد يستند الى قواعد تخصيص انتاج الكهرباء وتوزيعها، وهذا هو المنهج المقترح منذ سنوات، دون تحقيق أي خطوات اصلاحية وبتفرد من الوزير، علمًا بان انجاز تجهيز معامل بمولدات نقالة تجهز على مقربة من البلدات الرئيسية في لبنان مثل طرابلس، جبيل، بيروت، النبطية، صيدا، زحلة وبعلبك هي الحل الافضل والذي يؤدي الى خفض العجز ملياري دولار سنويًا.

ان الامر الاكيد المعلوم ان أموال “سيدر” لن تتوافر ما لم يتم اصلاح الكهرباء، “ومن جرب المجرب كان عقله مخرباً”. واذا ارادت الحكومة الجديدة الحصول على تقديمات المشاركين في مؤتمر “سيدر”، عليها ان تبادر الى وضع برنامج مقنع لتحقيق الكفاية الكهربائية استنادًا الى سياسات مغايرة للواقع الذي اثقل على لبنان واللبنانيين، ليس فقط بتزايد الدين العام بل أيضًا باستهلاك أموال اللبنانيين على شراء الطاقة من البدائل التي يبدو انها تشرعنت، بطلب تركيب العدادات الالكترونية، ويا له من طلب معروف منذ عام 1999.

هنالك اقتراحات متعددة أفضل بكثير من توصيات شركة ماكينزي وبرنامج قروض “سيدر” المفترض ان تكون ميسرة.

تركيب المعامل النقالة من البلدان الرئيسية يؤدي الى توفير الخسارة التقنية على الشبكات المهترئة وزوال السرقات لقرب معامل الانتاج من الاستهلاك. والعملية بكاملها يمكن انجازها خلال سنة واعتماد غاز البوتان لتوليد الطاقة لتحقيق وفورات كبيرة والحدّ من التلوث، والوفر يكون على الاقل مليار دولار عام 2019 وملياري دولار عام 2020.

السؤال يطرح كيف نعالج الحاجات المالية الضرورية، ونتفادى ازمة مالية واقتصادية؟

لدينا التزامات غير مسددة من مؤتمر باريس 3 تبلغ 3.6 مليارات دولار والمطلوب ان ننفق 500 مليون دولار على استملاكات تشمل بصورة خاصة تطوير وتحسين اختناقات السير من محيط الكازينو وحتى بيروت، وتأمين الـ500 مليون دولار للحصول على الـ3.6 مليارات دولار أمر ممكن، فعسى ان يكون برنامج الحكومة، تأمين الكهرباء بالمولدات النقالة وتحريك رصيد مؤتمر باريس 3.

كلمة أخيرة لا بد منها. لقد طرح الوزير المميز غسان حاصباني تخصيص اعمال الاتصالات على اشكالها المتنوعة والتي يفترض ان حقوقها للدولة، وان هي تعاقدت مع التجديد دوريًا على خدمات الهاتف الخليوي التي تؤتي الدولة ثاني أكبر دخل من شركتين تقومان بالعمل بحسب شروط تعاقدية. ولو كانت لدينا الشجاعة ونحن نشكو من تقطيع الخطوط ومستويات تكاليف الاتصالات للجأنا الى تخصيص هذا القطاع والاكتفاء ربما باوجيرو مع الغاء وزارة الاتصالات، وحينئذٍ نستطيع تأمين 6-8 مليارات دولار أو أكثر من تخصيص القطاع بالفعل، بدل القول إننا نلزم العمل لشركتي الهاتف الخليوي.

ان الامل في تجاوز الازمة المالية والاقتصادية لا يزال قائمًا اذا احسنت الحكومة اتخاذ القرارات الجريئة واذا استفدنا من التقنيات الحديثة ومجريات الامور في قطاع الطاقة سواء في المانيا أو انكلترا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*