مصارحة مؤلمة

تصوير ميشال صايغ.

أسوأ وضع في لبنان اليوم تمنع المصارف عن تأمين طلبات المودعين على مستوى حاجاتهم، وهذا الوضع نتيجة توجه المصارف الى اقراض الدولة نسبة مرتفعة من الودائع، وتعثر مسيرة تشكيل حكومة فعالة لاستقطاب الاقتراض الميسّر بموجب نتائج مؤتمر “سيدر” الذي انعقد في نيسان 2018 وكان من المفترض توافر معوناته على مستوى 11.2 مليار دولار خلال بضع سنوات، وقد وجد المبعوث الفرنسي الذي وفد لتقويم الخطوات التصحيحية التي التزمناها، أن الخطوة الأساسية وهي اصلاح سياسة الطاقة ومعالجة عجز الكهرباء لم تتخذ فحذرنا علنًا من ان هذا الاهمال سيؤدي الى انحسار المساعدات.

ان السبب الرئيسي للازمة الحاضرة – ولنكون صادقين مع أنفسنا يجب ان نعلم ان هذه الأزمة، أزمة فقدان حرية التحويل لسنوات، تسهم في تقزيم حجم الاقتصاد وابعاد المستثمرين عن لبنان، كما تسهم في توسع نطاق الفقر – والسبب هو سياسات وزراء الطاقة منذ عام 2008 وحتى اليوم. فهؤلاء الوزراء والنواب الذين وافقوا على اقرار موازنة الطاقة سنة بعد سنة هم المسؤولون عن تبخر 51 مليار دولار كان في الامكان ان تكون متوافرة في السوق لو أحسن الوزراء المعنيون خياراتهم، واسهم في توسع العجز وزير الاتصالات عام 2013 الذي عدل الاتفاقات مع شركتي خدمات الخليوي بحيث حصر توظيف العمال في الشركتين بقرارات الوزير وتالياً أسهم في زيادة طاقم العمل بعدد كبير من الموظفين مناصري التيار الذي يمثله، وتسببت هذه العملية بانحسار 400 مليون ليرة سنويًا من عائدات الدولة.

الدراسة الأولى عن برامج تطوير انتاج الكهرباء وتوزيعها أنجزها عام 1996 البنك الدولي، وقد رأت أن اصلاح القطاع يستوجب انشاء هيئة ناظمة للكهرباء، وتعيين مجلس ادارة مقتدر من أصحاب كفاءات، واختيار شركة محاسبة دولية لإصدار ميزانيات حقيقية كل ستة أشهر، وانجاز غرفة للتحكم توجه الكهرباء المنتجة بين المناطق. وللتذكير، كان الوضع كذلك حتى عام 1975 لان مجلس الادارة كان يشمل مهندسين محترمين وذوي نزاهة مالية وفكرية.

الوزراء الذين تناسوا هذه التوصيات، أبلغوا توصيات دراسة قامت بها سيدة لبنانية وقدّمتها الى جامعة ستانفورد المشهورة عام 2011 بمنحة من مؤسسة محمد الصفدي لمعونات الطلاب والدراسات المتقدمة، وقد أوصت الدراسة بتحسين شبكة التوزيع، وإنشاء هيئة ناظمة، اعتماد الغاز كلقيم للمحافظة على الصحة وتحقيق الوفر الخ، ولم يؤخذ بأي من هذه التوصيات أيضاً.

كان الهم الوحيد للوزراء المعنيين الاصرار على استقلالية خياراتهم، فرفضوا المعونة من الصندوق الكويتي عام 2012، ورفضوا المعونة البالغة الاهمية من المانيا كدولة وشركة “سيمنز” الكهربائية عام 2019، والوزيرة الجديدة التي كانت مساعدة للوزير سيزار ابي خليل الذي أبلغ البعثة الالمانية ان لبنان طور تقنيات ادارية تتجاوز ما حققه الألمان، فغادر أعضاء هذه البعثة مع المستشارة الألمانيّة ميركل لبنان وكلهم اقتناع بأن سياسة الكهرباء ستؤدي الى تعجيز لبنان ماليًا، وهذا ما حصل.

لو استمعنا الى الكويتيين عام 2012، ولو راجعنا دراسة السيدة الحائزة منحة لاجراء الدراسة حول الكهرباء عام 2011، لكان لبنان حقق وفرًا يتخطى الـ51 مليار دولار، وكان في الامكان من تاريخ تنفيذ برنامج الصندوق الكويتي تحقيق وفورات على حساب انتاج الكهرباء تضيف الى الوفر الذي كان تحقق من التجهيز والتفعيل منذ عام 2014 على الاقل 6-8 مليارات دولار من الاشتراكات، وكنا وفرنا كلفة استيراد المولدات الخاصة التي تبلغ طاقتها 1600 ميغاوات ولا شك في ان كلفة استيرادها تجاوزت الملياري دولار تسهم في ارتفاع كلفة مستوردات المازوت.

لقد اختار الوزراء والنواب من عام 2012 وحتى تاريخه التغاضي عن أضرار سياسة الكهرباء السيئة والتي حصرت القرارات بخيارات الوزراء المعنيين، ولعلّ أفضل مثال على تحكم الوزراء يظهر من تصريحات الوزيرة الحالية التي تعتبر ان تشكيل الهيئة الناظمة يستوجب انقضاء ثلاث سنوات، أي بالتأكيد وحسب التزامها السياسي الوقت المطلوب لإنجاز مهمة العهد.

أيها السادة المتحكّمون بقرارات المستقبل، بعدما أسهمتم على نحو رئيسي في المشكلة القائمة، أي خسارة لبنان صفة الاقتصاد الحر والمحافظة على حريات التبادل والصرف والتحويل، وتالياً جعلتم لبنان، اقتصاديًا، ما هي عليه سوريا، فبوركت سياساتكم.

لبنان بخصائصه المصرفية اليوم لن يستقبل تحويلات رئيسية كما حصل عام 2008/2009 حينما حول اللبنانيون خلال الأزمة المالية العالمية التي طاولت أهم المصارف الدولية من “الكريدي سويس” الى “سيتي بنك” الى “بنك باركليز” الذي أنقذته دولة قطر بضخ 7.5 مليارات جنيه في رأس ماله، مبلغ 24 مليار دولار ساعدت لبنان على تخطّي عجز الميزان التجاري بتوفير فائض على حساب ميزان المدفوعات لسنوات.

أصحاب المصارف الذي أقروا سياسات مناقضة للقانون لتقييد السحوبات من الإيداعات الأجنبية للعملاء يدركون ان النظام الذي يتّبعونه والذي يتعدل يومًا بعد يوم سيؤدي الى انحلال دورهم بعد تبديد مدخرات اللبنانيين ممن مارسوا أعمالهم سنوات لتحقيق ادخارات تساند حاجاتهم في سني الشيخوخة.

المصرفيون مدعوون الى زيادة رؤوس أموالهم بنسبة 20 في المئة ما بين نهاية هذه السنة ونهاية شهر حزيران 2020. بكلام آخر، يوصي مصرف لبنان بزيادة تشكل أربعة مليارات دولار، اذا تحققت تساعد على تخفيف الضغط الحالي انما لا تحل المشكلة. ومصرفيون من أصحاب المؤسسات الصغيرة نسبيًا اعلنوا منذ الآن عجزهم عن زيادة رأس المال.

هل هناك حلول للمشكلة القائمة والمتوسعة يومًا بعد يوم؟ نعم، هنالك حلول، تبدأ بتلزيم توسيع طاقة انتاج الكهرباء وتأمين توزيعها لشركة “سيمنز” الالمانية والحصول على تسهيلات مالية لفترة 20 سنة، مقابل كلفة اقتراضية توازي اثنين في المئة سنويًا. لكن الالمان أو غيرهم من أصحاب القدرات، سواء أكانوا الكوريين، أم الفرنسيين والصينيين، لن يقبلوا بهذه المهمة ما لم يستطيعوا تشغيل المنشآت وآعمال الصيانة، وعندئذٍ لا حاجة إلى مصلحة كهرباء لبنان التي نخرها الفساد الى حد ان طبقة من بناء المصلحة حول لتربية الدجاج والأرانب دون علم الادارة بذلك، وبالتأكيد ثمّة حاجة إلى وزير يركز اهتمامه على قضايا المياه التي تفوق في مساوئها ما شهدناه في مجال الكهرباء.

تأمين تمويل منشآت انتاج الكهرباء وتشغيلها وتطويرها دون كلفة مباشرة، وتحقيق فوائض على المداخيل مع بدء السنة الثالثة على الاتفاق، أمر يسهم في استعادة الثقة الى حد ما بالحكم اللبناني.

وإذا حصل هذا الامر، يستعيد لبنان القدرة على اجتذاب الاستثمار بدءاً من حقول انتاج الكهرباء بالألواح التي تختزن الطاقة من الشمس وتحفظها لتأمين الاستهلاك في ما بعد، ويضاف الى ذلك تطوير وتشغيل مرفأ طرابلس ومطار الرئيس رينه معوض الذي خسر حياته لإصراره على محافظة الرئيس اللبناني على حرية القرار في مجال المصلحة العامة.

قد تبدو المهمات المعددة أعلاه شبه مستحيلة والواقع ان هذه الخطوات هي الوحيدة القادرة على استعادة الثقة بلبنان الذي حكم بشكل اقطاعي خلال السنوات الثلاث المنصرمة.

اضف رد