الرئيسية / مقالات / مشهد دولة لا يثق بها شعبها

مشهد دولة لا يثق بها شعبها

لا يكفي ان تتحدث وزيرة الاعلام عقب جلسة مجلس الوزراء، عن تنويه العالم بالإجراءات الحكومية المتخذة لمواجهة تفشي فيروس كورونا بين اللبنانيين، ولا يكفي ان يدعو وزير الصحة الى تخفيف التنظير على الوزارة، وان الاجراءات المتخذة في مطار رفيق الحريري هي عينها المتخذة في مطار شارل ديغول الفرنسي وكل المطارات الدولية، ولا يكفي ان يعلن وزير الصناعة انه “لا يمكن لأحد أن يتوقع من هذه الحكومة أو من أي حكومة أخرى أن تقوم بأكثر مما قامت به حكومتنا، وان هناك عملية تجييش ضد الدولة والحكومة غير مقبولة”، لكي يطمئن المواطن اللبناني بأن الدولة قادرة على السيطرة على الفيروس وعلى الحؤول دون تفشيه.

فكل المؤشرات والمعطيات المتوافرة منذ الإعلان عن اول إصابة تشي بأن الحكومة لم تتعاط بالجدية الكافية، وان الاستدراك الحاصل الآن لا يقلل حجم التراخي او الاستخفاف الذي حصل مع وصول اول مصابة الى بيروت.

وما يستدعي هذا الكلام انه من المعيب ان يعمد وزراء الى تشبيه الاجراءات بلبنان بالخارج، من دون الأخذ في الاعتبار الامكانات الضئيلة المتوافرة للبنان في هذا المجال، ان لجهة جهوزية المستشفيات الرسمية او قدرتها على استقبال المصابين، او لجهة توافر المعدات الطبية والادوية والأمصال المطلوبة لتلبية الطلب المتزايد.

بالامس، خرج وزير الصحة ليعلن حصيلة الأسابيع الاولى وقد بلغت ٧٧ حالة مثبتة، مع توقع بزيادة يومية بمعدل ٢٠ حالة اي بانقضاء هذا الاسبوع، يكون الرقم قد تجاوز المئة، وبحلول الاسبوع المقبل، يتجاوز المئتين… ومن المفيد التذكير ان القدرة الاستيعابية لمستشفى رفيق الحريري الحكومي لا يمكنها ان تلبي إعداد المصابين المتوقعة، فيما التوجيهات الرسمية لم تعط الا يوم امس للمستشفيات الخاصة لبدء استعداداتها لاستقبال المصابين.

ووسط المطالبات الرسمية والشعبية بإعلان حال الطوارئ، تلافيا لتفشٍ أوسع للفيروس، لا تزال الحكومة تعاند هكذا اعلان، معتبرة اننا لم نصل بعد الى هذا المستوى من الخطر، وقد رد وزير الصناعة بعنف على القلقين الداعين الى اتخاذ هذا القرار سائلا “هل يدرك من يدعو إلى اعلان حال طوارئ تداعيات هذه الدعوة؟ هل يعلم هؤلاء أن حال الطوارئ تستدعي نشر الجيش ومنع التجوّل وما إلى هنالك من قرارات وتدابير واجراءات عديدة؟ هناك أسس لاعلان حال الطوارئ تعيها الحكومة تماماً، وتحسب انعكاساتها بدقّة. نحن ندرك أن الأمور ستتطوّر، ونتصرّف على هذا الأساس، ونقوم بما تقوم به دول العالم وأحياناً أفضل، للمواجهة والمعالجة”، لكن الوزير نفسه خلص الى القول ان “لبنان لن يخلّصه إلا الأمل والعمل، ونحن لا نعمل من دون أمل”، فيما أبدى وزير الصحة تراجعا حيال هذه المسألة عندما اعلن امس انه من الممكن اعلان حالة طوارئ صحية او مدنية. وللمفارقة ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب يتجه الى اعلان حالة طوارىء وطنية.

لا يقود هذا العرض للمواقف الا لتأكيد حال التخبط الحكومي، الناجم ليس عن جهل او عدم كفاية او افتقاد للخبرات او الاختصاص، وانما للقرار في مواجهة ليس فقط حالة صحية طارئة، وانما الوضع في البلاد بكل اوجهه. ولا يمكن الحكومة ان تتذرع بعمرها القصير وبكرة النار التي تحملها، وهو ما يتكرر على لسان رئيسها، او بالاستهداف الذي تتعرض له، طالما هي لم تأت في ظروف طبيعية، بل جاءت على فوهة البركان المتفجر ماليا واقتصاديا ونقديا وشعبيا، وتدرك منذ اليوم الاول لتشكيلها حجم التحديات والمسؤوليات الملقاة على عاتقها، ومن دون فترة سماح، غالبا ما تتمتع بها الحكومات.

ولعل هذا ما دفعها لإطلاق شعار “حكومة مواجهة التحديات” على نفسها، علما ان التحدي الحقيقي ليس على هذه الحكومة ان تواجهه، بل على القوى السياسية التي سمتها، وفي مقدمها ” حزب الله”، وآلت على نفسها تحمل مسؤؤلية الحكم وحدها.

فالحزب واجه تحديا محسوبا هو التحدي المالي والنقدي، وتحديا غير محسوب كمن في اصراره على تولي حقيبة وزارة الصحة، التي تتولى ادارة ازمة الكورونا. وقد ادارتها بخلفية سياسية، كما اعلن رئيس لجنة الصحة النيابية عاصم عراجي بقوله ان عدم منع الطيران من طهران كان قرارا سياسيا! والواقع انه حتى الآن، بدا الحزب، بقصد او غير قصد عاجزا عن ادارة التحديين.

واذا كانت ازمة الكورونا قد حجبت الاهتمام عن اي ملف آخر، فهذا لا يلغي التحدي المالي مع قرب انتهاء فترة السماح المتاحة امام الحكومة للتفاوض مع الدائنين، تمهيدا لإعلان موقفها من سداد الاستحقاق المالي.

بخلو الشوارع من الناس، كما هي الحال اليوم، وبتهافت اللبنانيين على تخزين المواد الغذائية، بات واضحا ان الناس قرروا إمساك زمام امورهم بأنفسهم، فأعلنوا حال الطوارئ ببقائهم في منازلهم، معبرين في شكل واضح عن عدم ثقتهم بدولتهم وحكومتهم، التي عجزت حتى الآن عن تقديم بصيص أمل لهم بمستقبل آمن!

sabine.oueiss@annahar.com.lb

اضف رد