مشهد الصراع الكبير… العرب ليسوا متفرجين

الحرب بالوكالة قائمة ومستمرة، وتدار مباشرة وبالواسطة

رفيق خوري 
كاتب مقالات
رأي 
 الثلاثاء 21 مايو 2019 12:45

العالم العربي ضمن قوس من أزمات مركّبة ومعقدة (أ.ب)

ليس ما يدور بين أميركا وإيران سوى جزء من مشهد الصراع في الشرق الأوسط وعليه. وهو صراع أكبر من أن تحسمه أية حرب، وأعمق من أن يحله أي سلام. فلا طهران تجهل في العمق أن رهانها على مكر التاريخ لا يكفي لتحقق في الواقع خطاب الرئيس حسن روحاني في باب الترغيب والترهيب للرئيس دونالد ترمب: السلام مع إيران، “أم كل سلام” والحرب “أم كل الحروب”. ولا واشنطن التي اختبرت سذاجة رئيسين في الرهان على “احتواء أو اعتدال” الملالي تجهل أن معادلة وزير الخارجية مايك بومبيو مهمة مستحيلة: اذ سئل إن كان يعتقد أن الإيرانيين سيغيرون سلوكهم لإرضاء ادارته فأجاب: “كلا، لكن الشعب يمكن أن يغيّر النظام، وما نفعله هو خلق فضاء للشعب الإيراني”.

والمواجهة محسوبة، بحيث يبدو لاعب البايسبول الأميركي ينافس لاعب الشطرنج الإيراني في اللعبة التي اخترعها الفرس. والسؤال هو عن حدود المواجهة لا عن حرب أو لا حرب يحرص الطرفان على نفي المصلحة والرغبة في الذهاب إليها. لكن التحدي يتجاوز ما يقوله ويفعله الطرفان الأميركي والإيراني إلى ما تقوله ويجب أن تفعله البلدان العربية والإسلامية. ومن هنا التطلع إلى القمتين العربية والإسلامية اللتين دعا إلى عقدهما في مكة المكرمة نهاية الشهر الحالي الملك سلمان بن عبد العزيز.

ذلك أن دور “الملعب” الذي يتنافس فيه وعليه لاعبون اقليميون ودوليون هم الإسرائيلي والإيراني والتركي ومعهم وفوقهم الأميركي والروسي والأوروبي وأخيرًا الصيني، ليس قدر العالمين العربي والإسلامي. فالصراع الجيوسياسي الدائر هو على حاضرنا ومستقبلنا ومصيرنا. والعرب، بشكل خاص، ليسوا متفرجين على المشهد الكبير للصراع، ولا يصح أن يكونوا ضحاياه. ومن واجبهم، لا فقط من حقهم ومصلحتهم، أن يكونوا لاعبين لضمان وجودهم الفاعل في التطور الإنساني.

وأقل واجبات العرب هو منع “التغول عليهم، والوقوف ضد التعامل مع الأمة العربية كأنها مجرد “تعبير جغرافي” تخطاه التاريخ وأهمله المستقبل ولا حساب له في اللعبة الجيوسياسية والمصالح الإستراتيجية. فلا العالم العربي هو فقط ما تحت الأرض والبحار، أي النفظ، وما تتطلبه ممراته الحرة إلى الأسواق، سواء في مضيق هرمز وباب المندب أو في بحر العرب والمحيطات. ولا استبعاد الحرب الشاملة بين أميركا وإيران هو كل شيء. فالحرب بالوكالة قائمة ومستمرة، وهي تدور على الأرض العربية، ولا سيما في الخليج. وتدار مباشرة وبالواسطة.

ونحن في قوس أزمات مركبة ومعقدة. أزمة صراع بين الحد الأدنى من الحداثة وبين التيارات الإيديولوجية التي توظف الدين في السياسة والوصول إلى السلطة كما في التكفير ومواجهة التفكير العصري بالإرهاب. أزمة ثقة بثبات الأصدقاء الدوليين وفي طليعتهم الأميركان على مواقفهم المعلنة. أزمة المواجهة مع مشاريع أقليمية توسعية خطيرة. بعضها يوظف الخرافة للإستيلاء على الأرض بالقوة مثل المشروع الصهيوني. وبعضها الآخر يستخدم التاريخ والفقه والمال والسلاح للإستيلاء على الشعب أو على قسم منه إلى جانب الجغرافيا كما هي حالنا مع إيران وتركيا. وإذا كان الإعتداء الإسرائيلي للإستيلاء على الأرض قد وصل إلى صعوبة الإستمرار في التوسع، فإن حدود التوسع الإيراني والتركي تبدو مفتوحة. فالجمهورية الإسلامية في إيران تفاخر علنًا بأنها تحكم أربع عواصم عربية هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. والرئيس رجب طيب أردوغان يجرب أن يستعيد دور السلطان ضمن “العثمانية الجديدة”. وهو يتدخل في ليبيا إلى جانب الأخوان المسلمين ويحتل أجزاء من سوريا بعدما دفع إليها مجموعات متشددة إرهابية ودعم الأخوان المسلمين.

لكن مكر التاريخ في المرصاد. فالمشروع الأمبراطوري الذي تعمل له طهران تحت عنوان “محور المقاومة” يصطدم بالأكثرية الساحقة في العالمين العربي والإسلامي وبمصالح القوى العالمية الكبرى. والسلاح الذي تستخدمه، وهو التجنيد المذهبي، يقود إلى صراعات خطيرة في الحاضر وكانت عصية على الحل في التاريخ. والمشروع “السلطاني” التركي محكوم بالفشل سلفًا في المنطقة وباقتراب الأفول في الداخل. والإميركان هم، حتى إشعار آخر، على مزاج ترمب الراغب في الإنسحاب وفي الحفاظ على مصالح أميركا في الوقت نفسه. والروس الذين فتح لهم الدخول العسكري في حرب سوريا باب تحسين العلاقات مع الجميع، يبدون مثل لاعب “الأكروبات”. لكن الرئيس فلاديمير بوتين اعترف مؤخرًا بأن روسيا ليست “فرقة إنقاذ” و”لا تستطيع إنقاذ كل شيء”.

والدول العربية تبدو في مواقع ومواقف مختلفة: دول قليلة تقف مع إيران بوضوح، وإن كانت في حاجة إلى من يساعدها. دول تحاول “النأي بالنفس” عن الصراع، لكن فيها ميليشيات وقوى من وكلاء طهران. ودول تتصدى للمشروع الإيراني وترفض المشروع التركي وتتمسك بحل الدولتين في الصراع العربي – الإسرائيلي.

والإمتحان على الأرض قبل قمتي مكة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*