الرئيسية / home slide / مسيحيو العراق يكافحون لاستعادة منازلهم من دون جدوى

مسيحيو العراق يكافحون لاستعادة منازلهم من دون جدوى

ارتياح لزيارة البابا وزعيم “التيار الصدري” يشكل لجنة لحمايتهم واسترجاع أملاكهم

 وكالات  الاثنين 22 فبراير 2021 19:33
https://www.independentarabia.com/node/196006

هاجر العدد الأكبر من المسيحيين من العراق، وغادر بعضهم خلال الاجتياح الأميركي للبلاد، وآخرون غادروا خلال الحروب الطائفية التي احتلت خلالها فصائل مسلحة قراهم، وغيرهم بسبب الأزمة المعيشية الحالية. موجة هجرة بعد أخرى، تقلص عدد المسيحيين في العراق، بينما يحلم الباقون منهم في البلاد، بالمغادرة.

وتعيش عائلات مسيحية عراقية كثيرة في كردستان العراق، أو في الأردن أو أستراليا، أو غيرها من الدول، حنيناً إلى وطن ترفض في الوقت ذاته فكرة العودة إليه.

ويعلق كل هؤلاء في الداخل والخارج آمالاً بأن يحمل لهم البابا فرنسيس الذي سيزور العراق في مطلع مارس (آذار)، كلمات معزية ومطمئنة، ولو أنهم لا يتعلقون بالأوهام، في ضوء الأزمات الأمنية والاقتصادية المتلاحقة والتوترات السياسية التي تعيشها البلاد.

استعادة شبه مستحيلة

وترك العدد الأكبر من المسيحيين بلادهم، ووراءهم منازل وعقارات باتت استعادتها شبه مستحيلة بعدما استولت عليها أطراف مختلفة بينها فصائل مسلحة، وأخرى ذات نفوذ في ظل عدم استقرار سياسي وضعف الأمن في البلاد.

من المقرر أن يزور البابا فرنسيس مدينة أور الأثرية حيث ولد النبي إبراهيم في جنوب العراق (رويترز)

ويقول الطبيب البيطري فوزي بولص، وهو مسيحي من بغداد “انتهى بي الأمر بأن أبيع المنزل بالمبلغ الذي عرضوه”، وهو أقل بكثير من قيمة البيت البالغة مساحته 350 متراً مربعاً في شارع فلسطين، أحد الشوارع الرئيسة وسط بغداد الذي لم يعد إليه بولص منذ 2007.

في تلك الفترة، كانت الحروب الطائفية تعم البلاد، فقرر بولص الانتقال إلى كردستان، ويستذكر قائلاً “بمجرد وصولي إلى كردستان، عرفت أنهم سيطروا على البيت”، وتعرض الطبيب لتهديدات متكررة بالقتل، في كل مرة حاول فيها الوصول لشارع فلسطين، حيث كان بيته، ودفعه الأمر إلى مناشدة رئيس الوزراء في تلك الفترة، ودفع 15 ألف دولار لمحام ليتولى الدفاع عن حقه، وأحيلت قضيته على قيادة عمليات بغداد، من دون نتيجة.

ويقول بولص إنه أنفق على ذلك وعلى الرشى ودفع مبالغ لوسطاء ما يوازي تقريباً قيمة المبلغ الذي دفع له في مقابل البيت، 400 ألف دولار، علماً بأن  منزله يساوي، بحسب سعر السوق، ضعف هذا المبلغ.

منازل وعقارات

وفقدت عائلات مسيحية كثيرة منازل وعقارات أصبح استرجاعها اليوم ضرباً من الخيال بسبب البيروقراطية والفساد، وفق ما قال مسؤولون ورجال دين لوكالة الصحافة الفرنسية.

ويكشف رئيس “منظمة حمورابي” المستقلة للدفاع عن الأقليات وليم وردة عن أنه تقدم بشكاوى في 10 قضايا مماثلة إلى القضاء، وتتكرر القصة نفسها في كل مرة، إذ يواجه أصحاب المنزل أو أقارب يسكنونه لحراسته بعدما هاجر مالكوه، تهديدات غالباً بالسلاح، ما يجبرهم على ترك المنزل.

ويتهم أصحاب المنازل المصادرة، وبينهم مسيحيون ومسلمون من ضحايا الصراع الطائفي، فصائل متشددة، بينها موالية لإيران، بالقيام بذلك. وتتمتع هذه المجموعات اليوم بنفوذ واسع ولديها ممثلون داخل البرلمان ووزراء في الحكومة.
ولم تعترف أي من الفصائل المسلحة الرئيسة في العراق بعمليات استيلاء أو سيطرة على أراضي أو منازل المسيحيين في مناطق الصراع أو المدن الكبرى في العراق.

ويقول الإيكونوموس يونان الفريد، الوكيل العام للروم الأرثوذكس في العراق، لوكالة الصحافة الفرنسية “يلجأ إخواننا المسلمون إلى العشائر والأحزاب السياسية للدفاع عنهم، لكن نحن ليس عندنا” دعم كهذا.

خمسة نواب

وفي البرلمان المؤلف من 329 عضواً، هناك خمسة نواب مسيحيين فقط، لكن يصوت هؤلاء إجمالاً دفاعاً عن مصالح كتلهم وأحزابهم أكثر من مصالح طائفتهم.

وشكلت الحكومة عام 2008، تزامناً مع تراجع موجة العنف الطائفي، لجنة مكلفة طرد واضعي اليد على المنازل والعقارات وإعادتها إلى أصحابها، واستطاعت اللجنة المؤلفة من أربعة أعضاء في بغداد، حيث يسكن 10 ملايين نسمة، إعادة أكثر من 26500 منزل إلى أصحابها القانونيين، لكنها كانت كلها تقريباً ملكاً لمواطنين من الشيعة أو من السنة. أما بالنسبة إلى المسيحيين الذين يترددون في التوجه إلى القضاء أو لم يعودوا موجودين في البلد، فتمت استعادة 50 منزلاً فقط.

تنظيم “داعش”

في محافظة نينوى (شمال) مثلاً، كانت الأقليات الدينية العراقية، وبينها المسيحيون، هدفاً لتنظيم “داعش” بعد سيطرته عام 2014 على ثلث مساحة البلاد، بعد ذلك، خسر المسيحيون مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية التي سيطرت عليها مجموعات مسلحة برزت خلال مشاركتها في المعارك لطرد الجهاديين من المنطقة. ودفع هذا الأمر واشنطن لمعاقبة بعض قادة الفصائل المسلحة، وأحدهم مسيحي، لاستيلائهم على أراضٍ وقرى بكاملها.

وعن عدد منازل المسيحيين المصادرة، يقول رجل الدين الفريد “هذا الأمر حدث وبكثرة، لا يوجد عدد دقيق”، مشيراً إلى قيام “كثيرين بكسر أبواب واقتحام بيوت أو تزوير وثائق والاستيلاء على منازل أو عقارات”. ويضيف الكاهن الذي التقى مراراً عائلات سلبت منازلها، بأسف “لجأنا للقانون ولم نترك لا رئيس الجمهورية ولا رئيس الوزراء ولا رئيس البرلمان، وشكلت لجان”، مقدراً أن نسبة النجاح في استرجاع الأملاك وصلت إلى “نسبة 20 في المئة”.

ويقول رئيس لجنة إخلاء الدور المغتصبة اللواء مظهر المولى، إنه يجب تقديم شكوى رسمية لطلب استعادة أي منزل، مشيراً إلى أن الشكوى يجب أن ترفق بـ”وثائق الملكية، وأخرى لنزوح العائلة عن منطقتها، لإثبات تزوير الوثائق وإجبار واضعي اليد على ترك أي منزل”، لكن آفة الفساد المستشري في العراق الذي يعد بين أكثر دول العالم فساداً، دفعت كثيرين من المسيحيين والمسلمين إلى اليأس من جدوى الشكاوى، خصوصاً ضد أطراف نافذة ومسلحة.

تشكيل لجنة

أعلن زعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر عن تشكيل لجنة لحماية المسيحيين وإعادة منازلهم، وقال تعليقاً على الزيارة المرتقبة للبابا فرنسيس إلى العراق في مارس (آذار): “الانفتاح على الأديان أمر مستحسن، وزيارته للعراق مرحب بها، وقلوبنا قبل أبوابنا مفتوحة له”، لكن مسيحيين ومسؤولين استقبلوا إعلان تشكيل اللجنة بالتشكيك، مشيرين إلى أن قسماً كبيراً من واضعي اليد على المنازل هم من “التيار الصدري”.

الوجود المسيحي يتلاشى

وعلى الرغم من غياب إحصاءات دقيقة عن عدد المسيحيين في العراق بسبب عدم إجراء تعداد سكاني منذ سنوات، يقول رئيس “منظمة حمورابي” إن هناك حالياً 300 إلى 400 ألف مسيحي في العراق في مقابل مليون ونصف مليون قبل الغزو الأميركي عام 2003 الذي انتهى بإطاحة نظام صدام حسين.

“في أجواء من الفرح”

وسط هذه الأجواء، يؤكد رئيس أساقفة الكلدان في أبرشية الموصل وعقرة، نجيب ميخائيل، أن التحضيرات جارية لزيارة البابا التاريخية، وأن استقباله سيجري في “أجواء من الفرح”.

وعلى الرغم من مرور ثلاث سنوات على طرد تنظيم “داعش” من المنطقة، يحتفظ رئيس أساقفة الموصل بآثار من الجرائم الوحشية التي ارتكبها الإرهابيون في “كارملش” (شرق مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى)، بينها صليب مكسور عند برج أعلى كنيسة وأواني قداس وأيقونة متضررة، أدلة من أجل “تجاوز الماضي”، كما يقول ميخائيل لوكالة الصحافة الفرنسية، عبر “التسامح، لكن من دون نسيان” تلك الجرائم.

ويشير إلى أنه تمكن من تهريب الكثير من الوثائق القديمة من التنظيم المتطرف الذي احتل المنطقة بين 2014 و2017، وحكم بالرعب، مستهدفاً خصوصاً الأقليات، إلى إقليم كردستان، مخاطراً أحياناً بحياته.

ومن المقرر أن يزور البابا مدينة أور الأثرية، حيث ولد النبي إبراهيم، في جنوب العراق، ليؤدي صلاة مشتركة إلى جانب مسلمين ويزيديين وصابئة، لكن “الأمر الأهم”، بالنسبة إلى رئيس أساقفة الموصل، هو “زرع الفرح في قلوب كل الناس، لأن هذه الزيارة ليست بروتوكولية، إنها روحية”.