مسلمون يرفعون “الصليب” في الموصل وشباب لبنان ينزعون صور الساسة وطلاب الجزائر يتطوعون للوطن ومعجزة يمنية

 مريم مشتاوي 
القدس العربي
14112019

على الرغم من حالات التعذيب والقتل والاختطاف،‪ ‬التي جوبهت بها تظاهرات الشعب العراقي، ضد الفساد والمفسدين، وعلى الرغم من كل العراقيل التي وضعت في طريق ثورتهم السلمية، إلا أن هناك تحولات عظيمة في الوعي السياسي والاجتماعي العراقي، عكستها طبيعة الشعارات الوطنية الجامعة، والتكتيك السلمي للمتظاهرين، الذين قدموا نموذجا في المقاومة السلمية، رغم رعونة آلة البطش وهمجية عناصر الأحزاب والميليشيات الطائفية المشاركة في حكومة عادل عبد المهدي.‬‬‬
ولأن العراق – كغيره من البلاد العربية – ما زال يعاني من أمراض الأنظمة الشمولية، المتجسدة بالفساد والامتيازات والمحاصصات الطائفية البغيضة، التي تنهش جسده اليوم، فإن إعلامه المرئي ليس بأحسن حال، وما هو سائد اليوم، هو الإعلام الحزبي الميليشيوي، حتى وإن حاول أن يعطي نفسه صبغة وطنية. لهذا أصدر المتظاهرون في ساحة التحرير جريدتهم الخاصة، التي أطلقوا عليها “تكتك” لتكون صوتاً لثورتهم، كذلك نقلوا عبر موبايلاتهم تظاهراتهم وقصصهم إلى العالم أجمع، من خلال ظهورهم الكثيف على وسائط التواصل الاجتماعي.
في مشهد مؤثر تداوله ناشطون نقلاً عن صفحة “أرفع راسك” على فيسبوك، قام شباب “مسلمون” من مدينة الموصل المنكوبة، برفع الصليب فوق كنيسة “قلب يسوع الأقدس” الكلدانية، في تلكيف، التي كانت مقراً لقيادة “داعش” ومركزاً للتدريب والرماية، كما أفاد الناشطون، الذين قاموا بتنظيف وترميم الكنيسة.
يقول الشاب أسامة الساهر: نحن مجموعة من شباب الموصل، قمنا بهذه الحملة لتقوية الأواصر بين العراقيين مسلمين ومسيحين، وهي دعوة لأهلنا وأحبابنا المسيحيين لنقول لهم “هذه مناطقكم، هذه ممتلكاتكم، هذه دور عبادتكم، عودوا إليها… لقد عملنا كل ما بوسعنا..”بس تعالو” والموصل “تلمنا كلنا”.
أما الناشط عبيدة العزاوي، من فريق “موصل السلام” فيقول: “ندعو إخوتنا المسيحيين أن يعودوا إلى تلكيف، ويمارسوا تقاليدهم الدينية، فهذه مدينتهم، وهذا عراقهم”.
ويضيف: “في الأسبوع المقبل سنتجه إلى الجانب الأيمن لتنظيف كنيسة الساعة”.
يعكس هؤلاء الشباب الروح العراقية الأصيلة، التي لا يمكن أن ترتهن إلى ديكتاتور أو طاغية أو إلى أحزاب دينية مرجعياتها أدنى من وطنية وعابرة للحدود العراقية.
هذه المبادرة تقول إن هؤلاء الشباب هم قادة المستقبل، وهم الضمانة، التي تبشر بوطن حر وكريم “يلم” كل أبنائه تحت مظلته.. سوف نتذكر كمتابعين للشأن العراقي ومحبين لأهله، صدق هؤلاء الشباب، وغيرتهم ورجاءهم لـ”أهلهم المسيحيين” بالعودة..
سنتذكر معهم رائعة الشاعر سعدون قاسم بالعامية العراقية:
بس تعالوا
وفرحوا روحي معذبتني تريدكم
سهري ما مر عالليالي
حالي حال الشمعة حالي
والله لو احجيلكم
من أول حجاية تهلّ دموعكم
بس تعالوا
وفرحوا روحي مدولبتني تريدكم.

أبطال لبنان

ومن طرابلس انتشر فيديو لشبان من الأديان كافة يقومون بحملة نزع لصور الزعماء المزدحمة في الشوارع ليضعوا مكانها أعلاماً لبنانية قائلين: ما يجمعنا هو العلم اللبناني ولا شيء غيره…
هذه الحملة لاقت استحساناً في المناطق اللبنانية كافة، وقرر الشباب اللبنانيون تعميمها… فالجيل الجديد متحرر من الطائفية والحزبية والمناطقية ومتحيز للوطنية فقط.
هكذا أصر الطلاب على أن يكون لهم دور رئيسي في انتفاضة الوطن، رافضين العودة إلى مدارسهم وجامعاتهم، قبل تحقيق المطالب كاملة، رغم كل الضغوط، التي تعرضوا لها.
إن أحلامهم ترقد في الوطن وليس خارجه.

شجعان الجزائر

صدف وكنت في الجزائر الأسبوع الماضي للمشاركة في معرض الجزائر الدولي للكتاب.
وما لفت انتباهي أن الجيل الجزائزي الجديد يتميز بوعي مدني عال، لا يجعل من الانتماء العرقي أو الديني أو السياسي، بل الوطني، منطلقاً لفضح الاختلالات السوسيو اقتصادية والسياسية.
إنه جيل ينخرط في الشعار العربي، الذي يطالب بإسقاط الفساد وتخليق مرافق الدولة، نشداناً للدولة الوطنية العادلة، التي باتت طموح الناس من محيطه إلى خليجه.
كما يعبر هذا الوعي المدني عن نظام داخلي مارسه الشباب بحماسة وهم يميزون ما بين لحظة الاحتجاج بالصوت والجسد ولحظة الانتصار إلى رمزيات المجتمع المتمثلة في الاحتفاء بالمعرض الدولي للكتاب، وكأنهم ينقلون هذا الصوت والجسد الاحتجاجي من الشارع إلى فسحة السكينة والتأمل عبر أروقة المعرض، كانوا يخاطبون الرمزيات ويتحاورون معها لتشاركهم احتفالية الاحتجاج وطقوسية التنديد بما جعلهم غير سعداء في مجتمعاتهم الظالمة.
انطلاقاً من هذا الوعي المدني، وعبر محاولة تطويعهم للزمن، خصص يوم الجمعة – ولهذا اليوم رمزيته لدى الشعب الجزائري – يوماً للاحتجاج العام، بينما يوم الثلاثاء هو يوم احتجاج الطلاب، بكل ما يعنيه هذا اليوم من تنظيم زمني يتجاوز يوم الاثنين باعتباره يوماً افتتاحياً للأسبوع، وكأنهم يرسمون خريطة واسعة ما بين الجمعة والثلاثاء، حيث الجسد المحتج يلوّن أفقاً للمستقبل بسلمية وتنظيم واضحين.
إن يوم الثلاثاء، ليس مقتصراً على الصراخ بالجسد وعبره، وإنما هو يوم للانتقال إلى الفضاء المختلف، فضاء الكتاب.
ما هو مؤكد أن الشباب العربي من العراق ولبنان والجزائر واليمن يؤسسون لخط تاريخي مميز أساسه التخليق والمطالبة بإرساء أسس عدالة اجتماعية حقيقية وإعادة توزيع الثروات وكرامة الإنسان وتكافؤ الفرص والانتصار إلى الكفاءات، بدون محسوبية أو زبونية.

معجزة اليمن

من رحم الحرب تنبت وردة صغيرة جورية. أنفاسها الطيبة روائح تفوح بالعلم وتتحدى الصعوبات. من هناك. من اليمن الشامخ، وعلى الرغم من الوجع والموت، تطل علينا طفلة تدعى هبة أمين المعيني. لتعلمنا دروساً أولها التحدي. تحدي الموت والضعف.
فمن عيني تلك الصغيرة تتدفق الحياة بمعانيها لتؤكد أن الموت في العواصف لا يقلق الشتاء. ولتذكرنا أن فصول المطر تمهد دوماً لولادة أقواس قزح.
علمتنا هبة الصغيرة، التي لا يتعدى عمرها 12 سنة أن طموح الإنسان لا حدود له.
رفعت إسم بلدها عالياً وأكدت لنا أن أطفالنا يصنعون بإصرارهم المستقبل، على الرغم من صعوبات الحاضر.
هبة، التي تعيش في اليمن، وفي ظروف صعبة، علمت نفسها بنفسها اللغة اليابانية من مواقع على الإنترنت، مثل راديو اليابان الدولي لتطلق بعدها، وحسب ما ورد في تقرير “بي بي سي” عربي، قناة على “يوتيوب” تعلم بدورها العرب اللغة اليابانية المعروفة بصعوبتها.
تقول: “كانت بدايتي فيها صعبة، لأن هناك أكثر من ألفي حرف ونطقها صعب، لكنني بدأت بممارستها ووصلت إلى هذا المستوى”.
لقد تعلمت اللغة اليابانية، لأنها تريد أن تنتج مسلسلات كارتونية يابانية لتكون أول كاتبة ورسامة “مانغا” في اليمن.
تقدم هبة الدروس لمتابعيها بابتسامة وشغف. تجهز لدروسها جيداً وتستخدم كل الوسائل، التي تجذب المتابعين وتساعدهم على تعلم اللغة بشكل سريع. ليس هذا فقط. إنها تصفف حتى شعرها بطريقة يابانية وتعتمد ألواناً فرحة لتخلق جواً يابانياً محبباً.
إنها طفلة اليمن المعجزة.

كاتبة لبنانية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*