الرئيسية / home slide / مسرحية «رحيل» اللبنانية: الحياة محكومة بمصران مقفل… الهجرة أو الآخرة

مسرحية «رحيل» اللبنانية: الحياة محكومة بمصران مقفل… الهجرة أو الآخرة

زهرة مرعي
القدس العربي
23112022

بيروت – «القدس العربي» : جمهور أدى عرض «رحيل» على المسرح. وكأن الرحيل يحتاج دائماً إلى جمهور لتخفيف وقعه، أو لدعم ومواساة المقربين من المهاجر أو المهاجرة، الراحلة أو الراحل. «رحيل» اقتباس وإخراج غبريال يمين، عرض شيق وموجع، أكد استاذية يمين وكما نتوقع دائماً. كتب يمين في الكتيب المرفق مع العرض التالي: «يتخبطون في صراعات مع أنفسهم. مع أهلهم وجيرانهم. مع كل محيطهم.. يصدمهم الرحيل: إلى حياة أخرى أو نحو الآخرة».
أدى «رحيل» 23 ممثلة وممثلا، تحركوا وتكلموا، وكأنهم أوركسترا عالية الاتقان. لبعض ناس «رحيل» حقائب تلازمهم في الحياة.
وإن نجا أحدهم منها في الحياة سترافقه في مشوار نهاية العمر نحو الأبدية. كثُر الراحلون، وعدد مشيعيهم يتناقص. ومن خواتيم الراحلين كانت «الوالدة». ضاق بها منزل ابنها، فأراد استيداعها في مأوى للعجزة. شكّلت الإنذار الذي لا ينفك يطرق على الوجدان. ما كان ظهرها يختفي مع حقيبتها حتى يطل وجهها. وهكذا، مارست على ابنها لعبة القط والفأر. تضاءل جسدها، وكانت تقع، تشدّ الهمة وتتابع مشوارها زحفاً. رحلت ودّعتها قلة قليلة. الحياة والضمير هي الأم رحلت بعد كثيرين، واستراحت في مكان لا يطردها منه أحد، ومحجوز لها منذ الولادة.
بانسداد المعدة بدأ عرض «رحيل». عائلة تستنجد بالرب كي يسّهل طريق سيدها، ليخلص من محنته. وفق الطريقة التي يعتمدها غبريال يمين في الكتابة والتوصيف والعبارات المختارة، فهو يشبِّه الحياة القاتمة بانسداد الأمعاء الغليظ، واستنكافه عن اتمام واجباته. «ضل يشد وما طلع منّو شي». في هذا المشهد المشغول شدّ الأبصار والأذهان إلى مكونات عمله. وفي نهايته رحل «الزغندي» مهزوماً منتفخ البطن والمصران، ولم تسعفه قراءة الجريدة في تسهيل مسار امعائه. رحل برفقة الجريدة والحقيبة إلى مشوار الآخرة.
«ما حدا طايق حدا.. وما حدا طايق حالو» هو حال الـ23 شخصية على المسرح. العائد من أمريكا مكسور الخاطر مهزوز الخطاب. والقاصد سويسرا يستغني عن ماله مقابل لحسه من جسد الغانية، وطيف والدته لا يفارقه ويمنعه من تنفيس احتقان جسده. وكأنه يعيش عقدة خيانة والدته مع أخرى. قد يكون القابض على مقبضي نعش الموتى هو الأكثر راحة وتصالحاً مع ذاته. احلام هذا وتلك تتكسّر. وحياة المتزوجين تنقمها بروتوكولات الزوجات. وكازانوفا الأرامل يلقى المصير الذي اسمه الرحيل، حاملاً كذبه وتدجيله ولسانه المعسول إلى القبر. إذاً. جدد غبريال يمين وتجدد في شغف مسرحي مشغول بعمق اسماه «رحيل». وضع على المسرح كورالاً من الممثلين لكلٍ منهم دوره، فيما يلتقون جميعهم على وحدة الصراع مع الذات. ربما هذا هو حال اللبنانيين في هذه المرحلة. متصارعون مع ذاتهم ومع من حولهم، متخاصمين مع دواخلهم ومع دواخل من حولهم. إنها حياة كارثية تتداخل في مساحات صمتها موسيقى تسلب الإحساس.
المسرح حاجة يتبادلها غبريال يمين مع الناس. هم يحتاجون المشاهدة. وهو يحتاج الوقوف على الخشبة وإن بشخصيات ممثليه. يقدم غبريال يمين مشروعه الفني عبر مفردات بسيطة يختارها من قاموس لغوي متداول بين الناس.
قاموس غير داخل في حسابات النخبة. تماماً كما اختار شخصياته الكورالية، فجاءت تشبه المجتمع ولا إقصاء لأية فئة منه. حضر المتأتئ، والشاب المحدودب الظهر، والفتاة المستعينة بجسدها للفوز بقوت يومها. والغريب أن الجميع رحل مع حقائب تعود لمنتصف القرن الماضي، وحدها الشابة الغاوية جرّت خلفها حقيبة عصرية مدولبة؟
بعد مواكب الجنازات، وندوب الأحياء، وقهرهم المتطاير على الخشبة، وانتظارهم لدورهم في الرحيل، نجح غبريال يمين في ايقاظ الكامن من وجع داخل كل متفرج على مسرحه. قال ما يريده عبر كورال أداره كما تدير ورشة النمل نفسها لجمع مونة الشتاء.
المؤونة التي خلصنا بها في نهاية عرض يمين أنه فنان بنكهة خاصة جداً. استاذ حصّل درجة الدكتوراة منذ زمن بعيد.
أكاديمي واستاذ في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية، لكنه متمرد على القواعد والتسميات والتعريفات. لهذا نكتفي بالقول إنه أضحك الجمهور بمرارة، وابكاه في الختام من حقيقة لا هروب منها. أنه الرحيل.

 زهرة مرعي