الرئيسية / home slide / “مسرحية” إصلاح وإجراءات… على ضوء القنديل

“مسرحية” إصلاح وإجراءات… على ضوء القنديل

اعتصام احتجاحي على ضوء الشمعة (مارك فياض).

تؤكّد المعطيات التاريخيّة بأن إرادة الشعوب هي مَن تصنع التغيير. لا تزال نتائج تجربة ثورة الخبز في السودان مثالاً على أنّ لا ملل من الأمل. تمثّلَ العنوان الأبرز مطلع حزيران الماضي في شروع الخرطوم وعزمها على استرداد 80 مليار دولار هرّبها نظام البشير. ونجح السودان في نيسان الماضي باسترداد 1.2 مليار دولار من أمواله المنهوبة على شكل أسهم وأراضٍ من رجل أعمال بارز في عهد البشير، بحسب “لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد”. في غضون ذلك، تمثّلت العناوين المتصدّرة الوضع اللبنانيّ في البحث عن شراء الشموع والعودة إلى قناديل الكاز والوقوف بالصفّ أمام الأفران لشراء الخبز.

عمليّاً، لم تستطع انتفاضة لبنان في 17 تشرين الأوّل الماضي تحقيق نتائج متقدّمة على الأرض، بل إنّ التوصيف الذي يشبه واقع حال اللبنانيين اليوم، هو توقّف العربة الثورية في منتصف الطريق لاعتبارات عدّة منها الغريزة الطائفية المتربّصة في الجينات اللبنانية والخلافات بين ناشطي المجموعات وغياب القيادة الموحّدة، علماً أن الانتفاضة كانت صنيعة عفويّة بتوقيع شعب. ولا يغيب عن المشهد أقذع انتكاسات الانتفاضة التي حدّت من العزيمة وتمثّلت بتأليف حكومة “حِرباء” مقنّعة برئاسة حسان دياب التي يسجّل تاريخ مسرح الأحداث اللبنانية على مشارف مجاعة، بأنّها من بين الأفشل والأعجز ومن الأكثر تصويراً لمنطق عبادة الكرسيّ.

وإذا كان السودان يطمح لاسترداد 80 ملياراً، فإن تقدير الأموال المنهوبة في لبنان بلغ ما يقارب 150 مليار دولار بحسب “الدولية للمعلومات”، في وقتٍ يصارع الساسّة في الحديث عن عزم على القيام بإصلاحات يتبيّن أنّها شعارات وهميّة. تقدّر الأرقام حجم التوظيف العام في الدولة بـ330 ألف موظف، وهو رقم كبير جدّاً نسبة إلى حجم دولة كلبنان، لا يجب أن يزيد عدد موظفي الدولة فيها عن 100 إلى 120 ألف موظف في وقت تبلغ فيه كلفة القطاع العام 12 ألف مليار ليرة في بلد دخله بالليرة باعتباره غير مصدّر وغير نفطيّ.

حتى الآن، يبقى الحديث عن إصلاحات مجرّد كلام في ظلّ عثرة أساسيّة عنوانها الطائفية، ما سيحوّل أي جهد إصلاحيّ إلى قضية مرتبطة بغطاء مذهبي أو حزبي يمنع محاسبة كبار الموظفين الفاسدين، ويقف عائقاً أمام إصلاح حجم موظفي الدولة لاعتبارات طائفية داخل كلّ مؤسسة، ما سيؤدي إلى البحث عن شعارات مرتبطة بتوازنات طائفية.

يقول الباحث محمد شمس الدين لـ”النهار” إنّ “الإصلاح هدفٌ مهمٌّ لكنّه صعب في ظلّ التركيبة الطائفية التي تعتبر التقليص من صلاحياتها بمثابة اعتداء على الطائفة، ما يشير إلى أن الأولوية هي لإصلاح النظام السياسي برمّته والتفكير ببناء دولة من دون معضلة المحاصصة الطائفية. وتُترجم استعادة أموال الفساد في لبنان بضرورة استرجاع سرقات ناتجة عن صفقات في مشاريع عامة وأملاك بحرية وأموال ناجمة عن أعمال التهريب والتهرّب الضريبي والتهرّب الجمركيّ”.

يكمن العنصر الأهم في أن ما من عوائق داخلية أو خارجية أمام لبنان إذا ما قرّر السير جدّياً في إصلاحات ومكافحة الهدر والفساد، فيما التذرّع بالحاجة لإصدار نصوص قانونية داخلية وآليات جديدة هو مجرّد وهم.

ويُعتبر لبنان طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد – منذ 22 نيسان 2009 أي قبل أكثر من 10 سنوات – الصادرة في 31 تشرين الأول 2003 والتي دخلت حيّز التنفيذ في 14 كانون الأوّل 2005، وهو لم يطلب الإفادة من آلياتها، علماً أنها أوّل أداة دولية في استعادة أموال الفساد، وتنصّ على إرجاع الموجودات والتصرف فيها وفقاً لآلية ملزمة للتعاون بين الأطراف الموقّعة التي أصبحت تربو إلى 190 دولة.

استفادت دول كثيرة من آليات داخلية وآليات التعاون الدولية لمكافحة الفساد في محطات زمانية عدّة، على غرار تونس ومصر والفيليبين وهاييتي وأوكرانيا والبرازيل ونيجيريا وكازاخستان والكونغو.

في هذا السياق، يؤكد المرجع القانوني الدكتور بول مرقص لـ”النهار” بأن “الآليات الدولية موجودة والنصوص الداخلية موجودة، ولا حاجة لإصدار نصوص جديدة للمعاقبة على اختلاس الأموال العامة، فذلك محدّد بالمادة 351 وما يليها من قانون العقوبات، ولا حاجة لنصوص تتعقّب الأموال ونصوص إضافية لتجميد الأموال ووضع إجراءات احتياطية عليها. ولا حاجة لمزيد من رفع للسرية المصرفية، بل الحاجة هي للتدقيق من جهات خاصة ولرفع الحمايات السياسية، لكن لا يبدو ذلك متوافراً في لبنان”، مشدّداً على أنّ “هناك ما يكفي من القوانين، أضف إلى ذلك قانون حماية كاشفي الفساد الصادر في تشرين الأول 2018، وقانون الوصول إلى المعلومات والتبادل الضريبي سنة 2015، والمادة 112 من قانون المحاسبة العمومية التي عمرها نحو نصف قرن وتقول إنّ الوزير مسؤول شخصيّاً عن الأساس في الصرف دون أساس تشريعي، وقانون 44/2015 (قانون مكافحة تبييض الأموال)”.

ويضيف مرقص: “أنا مع تطوير النصوص الداخلية، لكن ذلك ليس عائقاً أمام مكافحة الفساد وهناك الكثير من المجالات لاستعادة الأموال”، وعلى سبيل المثال، “يحتاج الإثراء غير المشروع إلى تنزيه وهناك مشروع اقتراح جاهز للإقرار منذ أواسط سنة 2017، في وقت ثمّة 76 ألف ظرف تصريح إثراء غير مشروع لم يُفتحوا”.

من سبل التطوير، يدعم مرقص “فكرة إدخال نوع من التسوية على المال المختلس عبر الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي أنشئت حديثاً، لكن شرط الرقابة القضائية تحت موافقة المحكمة، وهذا يحصل في الدول الغربية تسهيلاً لاسترداد أموال الفساد”.

ويَعتبر أنّ “الحديث عن الأموال في الخارج هو عبارة عن ذرّ للرماد في العيون، في وقت لا يطالُب بأموال الداخل”، لافتاً إلى أنّ “لا إصلاحات لأن لا إرادة فعلية مبنية على رفع الغطاءات والحمايات لدى السياسيين. هؤلاء الزبائن لا يزالون موضوع حمايات وامتيازات فعلية ولم يُرفع عنهم الغطاء، والأفرقاء السياسيون المتورّطون يبدو أنهم غير حاضرين للتضحية”.

majed.boumoujahed@annahar.com.lb