الرئيسية / home slide / مسار الحكومة “معلّق” والتصلّب يطيح بالمبادرات… قوى سياسية تستثمر في الفراغ وعون على شروطه!

مسار الحكومة “معلّق” والتصلّب يطيح بالمبادرات… قوى سياسية تستثمر في الفراغ وعون على شروطه!

02-05-2021 | 16:27 المصدر: “النهار”

ابراهيم حيد

شعلة النور المقدّس في بيروت (نبيل اسماعيل).

لا توحي الحركة السياسية الدولية المتجددة نحو لبنان، خصوصاً الفرنسية، بانفراج المسار الحكومي، ذلك أن الخلاف وصل إلى حدود لم تعد الوساطات معها تنفع أو قادرة على إحداث خرق في هذا الملف الأساسي والمصيري، وهذا الخلاف أخذ أوجهاً مختلفة سياسية وطائفية خصوصاً بين التيار الوطني الحر وتيار المستقبل، ولم يعد ممكناً الوصول إلى تسوية إلا بصدمة قد تكون خارجية بالدرجة الأولى، إذا انعكست الاجواء الدولية حول مفاوضات النووي وأيضاً تلك المتعلقة بالضغط الأميركي في مفاوضات ترسيم الحدود والحوار الإيراني السعودي، إيجاباً على الوضع اللبناني. لكن الرهان على الضغط الدولي قد يكون له نتائج مختلفة أيضاً وفق موازين القوى السائدة، وقد لا يحقق المرتجى منه، إلا إذا حدث تحول نوعي بتنازل أحد الطرفين الرئيسيين المعنيين بالتشكيل، اي رئيس الجمهورية ميشال #عون وتياره، ورئيس #الحكومة المكلف سعد #الحريري.

لم تؤد الوساطات الداخلية والخارجية حتى الآن إلى أي نتيجة ولم تحدث خرقاً في جدار التصلب الذي يتصدره رئيس الجمهورية ميشال عون وشروطه للتشكيل، حتى الضغوط على الحريري للتنازل عن بعض سقوفه في صلاحيات الرئاسة الثالثة لم تثنه عن التمسك بما يعتبره ثوابت لا يمكن التفريط بها، فيما فشلت مبادرة البطريرك بشارة الراعي في جمع الحريري ورئيس التيار الوطني الحر جبران #باسيل الذي فجر كل الخطوط بهجومه على رئيس الحكومة المكلف ودعوته الى التنحي ايضاً إذا كان غير قادر على التأليف بشروط عون. وتشير المعلومات إلى أن كل الصيغ الوزارية المقترحة سقطت أمام تمسك العهد بشروطه التي تذهب كلها إلى تكريس الثلث المعطل، بما فيها رفض صيغة الـ 24 وزيراً، التي توقفت أمام تسمية الوزراء المسيحيين.

في الحركة الدولية تجاه لبنان هناك من يراهن على إحداث خرق خلال زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الأربعاء المقبل إلى بيروت، ملوحاً بالعقوبات ضد عدد من المسؤولين اللبنانيين الذين يعرقلون الحل. لكن هذه الإجراءات قد يكون لها نتائج عكسية لأنها تنهي مبادرة باريس رسمياً، بسلوكها مسار آخر مختلف عن الوساطة، علماً أن فرنسا تفرّدت بين الدول الأوروبية بهذه الوجهة، وهي لم تستطع إقناع الاوروبيين بتبني إجراءاتها. لكن الفرنسيين الذين لهم مصالح تاريخية في لبنان والمنطقة، لم يتمكنوا من دفع العملية السياسية في لبنان، على الرغم من جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المسؤولين اللبنانيين على طاولة واحدة خلال زيارته بيروت بعد انفجار 4 آب الماضي، ليتبين أن المبادرة الفرنسية بحاجة لقوة دفع أخرى خصوصاً أميركية ومرتبطة بالأدوار الإقليمية في المنطقة لا سيما إيران التي لها اليد الطولى في الملف اللبناني عبر ذراعها “#حزب الله“، وهو جزء من المشكلة. لذا تشير التوقعات إلى عدم إحداث التحرك الفرنسي الجديد خرقاً أو تقدماً في العملية السياسية وتشكيل الحكومة، لأن إجراءات باريس تأخذ مبادرتها إلى سياقات أخرى.

كل المؤشرات تدل على أن الإجراءات الفرنسية لن تغير من الواقع السياسي اللبناني واصطفافاته واستعصاءاته شيئاً، إذ صار لبنان مجرد ملف ملحق من اهتمامات الدول… وما يجري على المستويين الإقليمي والدولي من مفاوضات حول الملف النووي والحوار بين السعودية وإيران مثلاً، وتطورات الوضع السوري، يمكن ان ينعكس على لبنان ويعيد ترتيب التوازنات ويطلق تسوية إنما ببنود مختلفة عما يمكن أن تصل إليه تسوية داخلية بعيدة من رهانات الخارج. ولذا نجد في الداخل اللبناني مزيداً من التصلب بين الفرقاء يتصدرها رئيس الجمهورية ميشال عون الذي لم يعد يرى سوى المعركة مع الرئيس المكلف سعد الحريري سياسياً، وتركيز رئيس التيار الوطني الحر حربه أيضاً، لوضع الحريري أمام خيارين، إما تشكيل حكومة كما يريدها سيد القصر وصهره، أو الاعتذار. أما الحريري، فيواجه التطورات والضغوط برفض تقديم تنازلات، وإن كان منفتحاً على صيغ من دون الثلث المعطل. لكنه لن يعتذر لأن اي خطوة في هذا السياق تكرس شروط رئيس الجمهورية في عملية تشكيل الحكومة، وتمنحه القدرة على فرض صلاحيات أمر واقع تؤدي إلى رفض الرئيس المكلف.

وبينما تنطلق مجدداً مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية وحضور الأمم المتحدة، يظهر أن هناك ملفات محددة في لبنان تهم المجتمع الدولي مرتبطة بالصراع في المنطقة، فإلى ملف الترسيم هناك “حزب الله” وسلاحه وصواريخه الدقيقة ودوره أيضاً، إضافة إلى ملف الحدود اللبنانية السورية، ومنها ظهرت شبكات المخدرات التي أغرقت دولاً عربية وأوروبية بحبوب الكبتاغون، إضافة الى ملف المرفأ. وهنا يترقب المعنيون بملف التشكيل موقف الولايات المتحدة الأميركية، بعد نجاحها في إعادة مفاوضات ترسيم الحدود. وفي ظل هذه الوقائع، ينشغل المسؤولون اللبنانيون بالصراع في ما بينهم، ليتحول البلد ساحة عبثية لنزاعات الطوائف ويسير نحو الانهيار الشامل الذي يطيح بكل المقومات ورصيد البلد تاريخياً، كما ينهي الصيغة والتسويات التي كانت دائماً تخرج لبنان من المأزق وان كانت برعاية عربية أو دولية. وأمام هذا الواقع وفي ظل الاستعصاءات الداخلية وغياب الوصاية الدولية الفاعلة، يتحول البلد الى ساحة صراعات طائفية وسياسية ومافيات متسلطة للقبض على حصة من القرار وتحسين موازين القوى أمام الدول التي تتلاقى اليوم بعد وصول جو بايدن الى الرئاسة.

الوضع الداخلي اللبناني الذي تحول ساحة للصراعات بين القوى السياسية والطائفية، بات في وضع بالغ الحطورة، إذ أن هذه القوى بدأت تعمل على ضبط مناطق هيمنتها من خلال مساعدات لمناصريها، وتتحفز للهيمنة على بيئات أخرى، فيما تتضارب الأجندات والمشاريع التي ترهن البلد للخارج من دون أن تتقدم نحو صوغ تسوية لإنقاذه. الانقسام والفوضى يأخذان مسارات متفاوتة، وفق هيمنات القوى الطائفية. فساحة المناطق الشيعية التي يمسكها “حزب الله” بفائض القوة والقدرة على ضبطها بالمساعدات والإدارة الذاتية في غياب معالم الدولة، ويمنع فيها أي خروج على طاعته، هي ليست نفسها في المناطق ذات الغالبية السنية وكذلك في المناطق المسيحية، حيث الصراعات مفتوحة على مواقع النفوذ والهيمنة. وفي ظل هذا الواقع يتمسك عون بموقع الحكم والسلطات ويستثمر في الفراغ ويسعى الى تحصيل مكاسب كطرف في موقع الرئاسة… ومن هنا تظهر الاستعصاءات الأولى التي تكسر التسويات والمبادرات وكل محاولات الإنقاذ.

ibrahim.haidar@annahar.com.lb
Twitter: @ihaidar62