الرئيسية / أضواء على / “مسارات جبلية نحو لبنان الكبير” لشربل النجّار نعم تستحق رحلة الدولة كلّ هذه المشقّات والتضحيات

“مسارات جبلية نحو لبنان الكبير” لشربل النجّار نعم تستحق رحلة الدولة كلّ هذه المشقّات والتضحيات

  • 10 آذار 2020 | 05:00
    نسيب الصدّيق
    أدب فكر وفن
    النهار

كتاب المؤرّخ شربل النجّار، “مسارات جبلية نحو لبنان الكبير/1584-1920″، عن “دار سائر المشرق”، يوثّق لمسارات خمس بلدات متنيّة منتشرة بين سفوح وقمم؛ مسارات مضيئة، شاقة، وعرة، مفجعة، ريادية، مجدّدة، ومتجدّدة، ذهبت بجبل لبنان إلى لبنان الكبير.

التحولات التي عرفها جبل لبنان بين 1584 و1920، كانت في كل مرحلة من مراحلها دفعًا في اتجاه هدف واحد كان حاضرًا ربما في اللاوعي، إلا أنه لم يكن قطعًا في الحسبان. ولعل قيام مدرسة روما المارونية عام 1584 لتعليم أولاد تلك الحفافي، هي أول حجر اساس لذلك البنيان الذي حلّ عام 1920. إذ إن ما ميز الجبل عن الكثير عن السهول والسهوب ومناطق الجوار المحيطة كان العِلم! فمع مدرسة روما لاحت البداية، ومع مجمع اللويزة عام 1736 بان كدّ الرهبان. أما التصادم اليسوعي – البروتستانتي فأثمر مدارس وجامعتين لا بل منارتين لا ثالثة لهما على امتداد كامل الشرق الأوسط آنذاك، هيّأتا لقيام بيروت قبل قيامها عاصمة لدولة لبنان الكبير.

لم تكن جميع تلك المسارات مفروشة بالورد لأن من يطأ جبلًا ليس كمن يطأ سهلاً، فالجبل صعب بطبيعته وناسه. ولعل في ما كان بين الدروز والنصارى – “الإخوة الأعداء” – من تحابّ وتجاف وتوافق وتطاعن، خير دليل.

إلا أن ذلك المسار المخاض فتح طريًقا أمام قيام نظام المتصرّفية أو الوقت المستقطع بين الدم والدم، بين مذابح 1860 ومجاعة وأمراض الحرب الكبرى وبين الرحيل الى دنيا الحق والرحيل الى دنيا الإغتراب. غير أن ذلك النظام الجسر استمر جسر العبور الوحيد الى دولة لبنان الكبير.

بشغفٍ وطول أناة واقتناع راسخ بأن لبنان هو نتاج أهله قبل أعيانه، عكف شربل النجّار على إحصاءَين ومؤلّفات ووثائق ومرويّات، باحثا في مجتمعاتِ بلداتٍ متنيةٍ خمس، هي بسكنتا والشوير وبيت شباب والمتين وبكفيّا، واكبت منذ القرن السادس عشر كل تحولات الجبل وكانت بزراعاتها وصناعاتها وخدماتها وأديارها ومدارسها ورجالاتها، جزءاً من ذلك الدفع المتواصل في اتجاه ما سوف يُعرف بلبنان الكبير.

عمل شربل النجار على المقارنة بين إحصاءي 1862 و1921، فدرس تطور المواليد ونمو السكان وإختلاله أيام المجاعة إبان الحرب العالمية الأولى. كما درس تطوّر أسماء الفتيان والفتيات وتبدلاتها وفقا لتبدل تلاوين الحركة التعليمية والسياسية في الجبل. ومن خلال الإحصاء، أطل على حركة الهجرة، ذلك النزيف الذي صار منهلًا، وقارب الكاتب الواقع الاقتصادي لتلك القرى فبان له تشابهها وتمايزها في آن واحد، يجمع بينها سعي دائم الى الأرقى.

في الخلاصات يقول شربل النجّار إن الإعداد للبنان الكبير كان مساراً طويلًا وشاقّا. فبين إعداد كنسي روماني وانتشار ماروني في بلاد الدروز وحماية فرنسا المستمرة للموارنة وسعي الجبليين الى المهاجر ولا سيما الى مصر الحداثة، كانت تلك “الضياع”، كل الضياع المنتشرة بين أقاصي الجبل الشمالي وأقاصيه الجنوبيّة، تستوعب وتشارك في حركة نهضوية أدّت الى ما أدّت إليه من مآلات ونتائج، كان أبرزها قيام دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول عام 1920.

في الختام يتساءل الكاتب إن كانت دولة لبنان الكبير تستحق كل تلك التضحيات وذلك الكم الهائل من الأكلاف، لكنه يسارع في الإجابة عبر “الإهداء” الى حفيدته تاليا فيوصيها بأن تبلّغ أحفادها قبيل المئوية الثانية أن لبنان في الحلّ والترحال وفي الوعي واللاوعي باقٍ الى الأبد.

¶ يوقّع المؤرّخ كتابه في إطار المهرجان اللبناني للكتاب، الحركة الثقافية انطلياس، جناح دار سائر المشرق، السبت 14 آذار ابتداءً من الساعة الثانية والنصف بعد الظهر. 

اضف رد