الرئيسية / home slide / مسؤولية الكنيسة والمعارضة أيضاً

مسؤولية الكنيسة والمعارضة أيضاً

بعيدا من الألاعيب السياسية الداخلية التي يتقنها الساسة اللبنانيون مع مسؤولي المصارف اللبنانية وتبادل الاتهامات حول اهدار أموال المودعين التي أطاحها هؤلاء جميعهم بجشعهم وانعدام مسؤوليتهم والتي لا تطمئن اللبنانيين حول وجود جهة صادقة فعلا تعمل من اجلهم، تلفت جدا المقالات التقويمية في الصحف الغربية للكارثة التي يواجهها لبنان حاليا والتي ترقى الى مستوى مواجهة لبنان الجوع كما إبان المجاعة التي شهدها إبان العهد العثماني او انهيار اقتصادي افدح مما نشهده راهنا الى درجة نعي امكان قيامة لبنان من جديد. والرهان على انه لا يعقل ان تترك السلطة لبنان يتجه الى الجوع والفقر اثبت عقمه لان الواقع اثبت ان السلطة كانت تساهم بدفع الأمور في هذا الاتجاه رافضة احداث ولو تغيير إصلاحي في الحد الأدنى او إعادة اصلاح ما تخرب في علاقات لبنان الخارجية. وكان رئيس الحكومة حسان دياب بشر بنفسه بتوجه لبنان الى الفقر والجوع في مقال رغب في إظهار إدراكه للواقع عبر مقال في “الوشنطن بوست” أراد من خلاله اظهار مدى قدرته على التواصل مع الخارج لكنه لم يقم الا بما يفاقم مأساة اللبنانيين بتخبط لا مثيل له. وتشكل مأساة حقيقة ادراك المسؤولين لذلك من دون الاقدام على ما يمكن إنقاذه والحد من الخسائر. حتى بالنسبة الى المنطق الذي يوزعه الوزراء والسلطة الحاكمة من ان لبنان محاصر من الخارج ولا إرادة او رغبة في مساعدته او إنقاذه فهذا يعني ان لبنان وشعبه يدفعان ثمن سيطرة “حزب الله” على قراره بعيدا من الذرائع الداخلية حول الفساد ورفض اجراء أي اصلاح بحيث يتم رمي المسؤولية على الخارج فحسب. ويقارن مراقبون سياسيون تسليم العهد القرار الى “حزب الله” او ترك الأخير يقود لبنان كما فعل رئيس الحكومة في الانسجام كليا مع توصيات الأمين العام للحزب بالمرحلة التي ترك فيها أميل لحود للنظام السوري فرض ارادته ومصالحه حتى عبر التمديد له على عكس إرادة اللبنانيين وتحدي الخارج في الوقت نفسه. بات العهد الراهن الذي طالبه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بفك الحصار عن الشرعية مكررا بضرورة الذهاب الى العلاقات العربية والغربية اسير اللعبة نفسها التي قادت لبنان الى ثورة عارمة في ٢٠٠٥ علما ان الاختلاف حول الانهيار المالي والاجتماعي اشد وطأة لجهة الانتقام من اللبنانيين وتدميرهم عبر الاستسلام لمسار الحزب ونسف علاقات لبنان مع محيطه.

ويخشى ان المناشدة من البطريرك غدت متأخرة والمطلوب مبادرات من نوع اخر لان لبنان الذي قام قبل مئة عام بمبادرة كنسية مهدد بالانتهاء اذا كانت الرئاسة الأولى عاجزة عن ذلك او غير راغبة فيه. فهل هذا الوضع اقل خطورة من الخطر الذي شكله الاحتلال السوري مثلا؟ كما ان هناك حاجة الى تحركات سياسية لا تستسلم للوضع الممسوك من تحالف بين “حزب الله” والتيار المسيحي الذي كان قويا فيما كلف هذا التحالف الذي سمي اقلويا ازدهار لبنان وأمانه ومستقبله. وهنا لا يمكن فهم سلبية الكنيسة باستثناء بعض مواقف الراعي أحيانا من المطالبة باجراءات جذرية استثنائية من القيادات المسيحية التي تنعى الوضع وتبكي على اللبنانيين فحسب. كما ينسحب ذلك على كل القوى االسياسية خارج السلطة والحكومة من اجل مبادرات تهمش هذين الطرفين من خلال الحصول على دعم الناس الذين يعيشون فصولا من جهنم نتيجة اهدار مدخراتهم وجنى أعمارهم واضطرارهم الى الانشغال فحسب في تأمين لقمة عيشهم. فهناك مسؤولية لن تغتفر لهذه القوى سواء كانت على حق ام لا في انتقاداتها او تقويمها لما يجري او عدم وجودها في السلطة. اذ في الواقع يفترض ان تتلمس هذه القوى احباط الناس من التعويل عليها بالمقدار نفسه لإحباطهم من الحكومة والسلطة الحاكمة العاجزة والساعية الى مصالح خاصة.

من جهة أخرى لم يتعلم التيار العوني من تجربة فاشلة للتحالف الاقلوي الذي أقامه أميل لحود وكرره على نحو توقع سياسيون كثر ومنهم من المسيحيين ان هؤلاء سيدفعون الثمن لكن من دون توقع ان يدفع الثمن لبنان ككل أيضا. ثمة مراجعة مكلفة يتعين على هذا التيار القيام بها بعيدا من طموحات رئاسية تبدو غريبة جدا في ظل مسؤوليته في السلطة وقيادته مع حلفائه البلد الى الانهيار لتمنعه عن القيام باي اجراء إصلاحي طوال سنوات للمساعدة في تخفيف الكارثة. وملف الكهرباء ابرز شاهد فيما هو يفاخر بالاستحواذ على كل المواقع والمناصب واستعادة الصلاحيات الرئاسية بحيث ان النجاح كان يمكن ان يدفع الى الطموح للرئاسة وليس الفشل الكبير الذي يلقى صداه في الداخل والخارج معا على نحو انهك لبنان وبات يساهم في إنهائه في الذكرى المئوية لإعلانه. فهناك مراجعة في السياسة ينبغي على هذا التيار اتخاذها بجرأة لم يعهدها اللبنانيون سابقا لكن يمكن ان تكون هناك سابقة في وقت ما لان تفاهم مار مخايل كان مكلفا جدا بالنسبة الى المسيحيين والى لبنان ككل ولو انه اتى بثماره بايصال العماد ميشال عون رئيسا وقد توقع منه من طالب على مدى أعوام بعودته من منفاه ان يبني البلد لا العكس فيدفع اللبنانيون غاليا جدا ثمن هذه الرئاسة. فاذا كان من امكان للإنقاذ، أيا يكن ضئيلا، فهذا هو الوقت المناسب لان اللبنانيين لا يودون ان يدفعوا ثمن سيطرة الحزب على لبنان وغير قادرين في الوقت نفسه على إيجاد حل لتملكه السلاح وفرض نفوذه. فيما ان الكباش الذي يقول انه يجريه مع الخارج بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن ايران ودفاعا عن نفوذها قد تجعله يدفع أثماناً كبيرة حتى لو لم يهتم بالثمن الذي يدفعه اللبنانيون.

الكارثة التي ألمّت باللبنانيين ان منعهم من الحصول على أموالهم ومدخراتهم لم يقض على الحد الأدنى من العيش الكريم وغير المذل بل وضعهم في شبه إقامة جبرية ان لم يكن في السجن الكبير بعدما بات متعذرا عليهم استخدام أموالهم للهروب من الجحيم الذي صنعه اهل السلطة لهم او توفير مقومات تعليم أولادهم وفق ما عملوا من اجله لسنوات طويلة.